
كتب محمد الجمل:
رصدت "الأيام" مجموعة جديدة من المشاهد من قطاع غزة، في ظل تصاعد خروق الاحتلال لاتفاق التهدئة، وتفاقم معاناة المواطنين.
ومن بين المشاهد الجديدة التي رصدتها "الأيام"، مشهد يوثق تغييراً مستمراً على حدود "الخط الأصفر"، ومشهد آخر يُسلّط الضوء على الخطر الذي يواجه المواطنين جرّاء الرافعات الإسرائيلية التي أقيمت مؤخراً، ومشهد ثالث يرصد استياء المواطنين من آلية توزيع المساعدات الإنسانية.
تغيير مستمر على حدود "الخط الأصفر"
شهدت الأسابيع الماضية محاولات إسرائيلية مستمرة لتغيير حدود "الخط الأصفر"، المقام جنوب وشرق وشمال قطاع غزة، عبر تعميقه، من خلال تقديم علامات ومكعبات مئات الأمتار غرباً، ما يعني السيطرة على المزيد من الأراضي والأحياء السكنية.
وخلال الأسابيع الماضية رصدت "الأيام" أكثر من 7 عمليات توغل نجم عنها توسيع لنطاق "الخط الأصفر"، أبرزها كانت في 20 تشرين الثاني الماضي، حيث توغلت قوة عسكرية إسرائيلية في المناطق الشرقية لمدينة غزة متجاوزة ما يُعرف بالمنطقة الصفراء بمسافة 300 متر في شوارع "الشعف والنزاز وبغداد"، في حيي الشجاعية والتفاح، وحاصرت عشرات العائلات التي أجبرت على النزوح لاحقاً، وعملت على توسيع حدود "الخط الأصفر"، من خلال نقل مكعبات إسمنتية لونها أصفر مئات الأمتار باتجاه الغرب، كما حدث تقديم مماثل للخط المذكور في منطقة "دوار بني سهيلا" بداية كانون الأول الماضي، وعملية مماثلة شرق مخيم البريج، وأخرى جنوب خان يونس، وعملية مشابهة في مخيم جباليا شمال القطاع.
وتسبب هذا الإجراء في إجبار مئات الأسر على النزوح باتجاه الغرب، وزاد من رقعة التدمير والتخريب المتواصلين في مناطق شرق القطاع.
ويسارع الاحتلال بتغيير الواقع في المناطق الجديدة التي يُسيطر عليها، مثل إقامة مواقع جديدة، ونصب رافعات "أبراج آلية"، ووضع ساريات مرتفعة مثبت عليها كاميرات مراقبة، إضافة إلى وجود دبابات تحيط بالمواقع المستحدثة.
وأكد مواطنون أن المواقع المتقدمة الجديدة أصبحت بمثابة خطر مُحدق يتهدد أمن وسلامة سكان مناطق جنوب ووسط خان يونس، حيث يتم إطلاق النار منها باستمرار، والرصاص يصل إلى عمق مدينة خان يونس، ويسبب سقوط ضحايا بشكل يومي.
وقال مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة إسماعيل الثوابتة، إن الواقع على الأرض والسياق السياسي يشيران إلى أن تحديد "خط أصفر" كحدٍّ دائم قد يخدم أهدافاً ديموغرافية واستراتيجية للاحتلال، مثل: فصل مناطق، وتقييد عودة نازحين، والاستحواذ على مساحات زراعية وبنى تحتية وغيرها، وتحويل حد مؤقت إلى دائم يترتب عليه تغيير في التوزيع السكاني والتركيبة الحياتية للمحافظات المتضررة، وهو ما يُعدّ تغييراً في الوقائع على الأرض يؤثر على الحقوق المدنية والسياسية للشعب الفلسطيني، وهذا يعني أن الاحتلال أصبح احتلالاً مُركّباً، ومخالفاً للقانون الدولي ولكل الأعراف الدولية.
الرافعات تهديد يومي للمواطنين
باتت الأبراج الآلية "الرافعات"، تشكّل أحد أكبر التهديدات اليومية التي تواجه المواطنين القاطنين في قلب المناطق المكتظة، وسط وغرب قطاع غزة. فمؤخراً زوّد الاحتلال الرافعات المذكورة، والتي يزيد ارتفاع بعضها على 40 متراً، ببنادق قنص، ورشاشات من عيارات ثقيلة، يصل مدى رصاصها حتى 4 كيلو مترات.
وخلال الأيام الثلاثة الماضية ارتفع ضحايا "الرافعات" المذكورة بشكل كبير، خاصة في محافظتي خان يونس وغزة، ومخيمات وسط القطاع، حيث أصيب مواطنون بالرصاص وهم في مناطق تبعد عن "الخط الأصفر" آلاف الأمتار.
فقد استشهد شاب داخل مدرسة إيواء غرب مدينة خان يونس، جنوب القطاع، وسقط ضحايا في مناطق تعتبر آمنة بمدينة غزة، وأصيب مواطن داخل حرم مجمع ناصر الطبي، عدا إصابات يومية في مناطق متفرقة من قطاع غزة برصاص الرافعات المذكورة.
وأشار المواطن محمود عوض الله، الذي كان داخل مدرسة أحمد عبد العزيز حين استشهد الشاب أحمد حسام نعيم، وأصيب عدد من المواطنين بجروح متفاوتة داخل المدرسة، إلى أنه شاهد فجأة بعض النازحين يسقطون أرضاً والدماء تسيل منهم، دون أن يفهم ما حدث، فلم يسمع صوتاً للرصاص، ولم تكن مسيّرات في الأجواء، وكان الوضع هادئاً حينها.
وبيّن عوض أن النازحين هرعوا نحو الضحايا وتم إجلاؤهم، ولاحقاً علم أن الرصاص وصل إلى المدرسة من رافعة أقامها الاحتلال مؤخراً داخل "الخط الأصفر"، وهي تطلق النار بشكل يومي باتجاه المناطق الغربية من مدينة خان يونس.
وأوضح أن ما يحدث متعمّد ومقصود، فالرافعات التي أقامها الاحتلال مثبت عليها كاميرات متطورة، تكشف كافة المناطق، والجنود المتحكمون فيها يتعمدون إطلاق النار بشكل مباشر على المدنيين العزل، رافضاً فكرة أن الرصاص الذي يصل إلى تلك المناطق الآمنة رصاص طائش أو عشوائي، بل هو رصاص مقصود يهدف للقتل.
بينما أكد المواطن إبراهيم نعيم أن الاحتلال يريد ألا يشعر أي مواطن في قطاع غزة بالأمان، حتى وإن كان يقيم في مناطق مصنفة "خضراء أو آمنة"، لذلك عمل على نصب الرافعات المذكورة، ويطلق النار بشكل يومي باتجاه الغرب.
ولفت نعيم إلى أن ما يحدث هو استنزاف وقتل يومي مقصود، فالإحصائية التراكمية لعدد شهداء العدوان الإسرائيلي لم تتوقف، وتشهد كل يوم زيادة في عدد الضحايا، سواء شهداء أو جرحى، وهذا يكشف نوايا الاحتلال بالإبقاء على حرب الإبادة لكن بطريقة مختلفة.
استياء من آليات توزيع المساعدات
تسود حالة من الاستياء وعدم الرضا أوساط المواطنين والنازحين في قطاع غزة، جراء غياب آليات واضحة لتوزيع المساعدات الإنسانية، التي باتت تصل إلى عائلات على حساب أخرى.
فخلال الفترة الماضية جرى توزيع كميات كبيرة من المساعدات الغذائية والعينية وحتى النقدية، بطريقة غير واضحة، وبآليات غير مفهومة، تسببت بحرمان عشرات آلاف العائلات.
واشتكى مواطنون من عمليات توزيع وصفوها بالعشوائية والانتقائية للمساعدات، لاسيما الخيام و"الشوادر"، والطرود الصحية، بحيث تسلّم الكثير من العائلات طروداً أكثر من مرة، في حين لم تتسلمها عائلات أخرى.
وذكر المواطن ياسر رمضان أن توزيع المساعدات الإنسانية من المؤسسات العاملة في قطاع غزة يسير بطريقة غير مفهومة، فالمواطنون يشاهدون أسراً تتسلم وأخرى يتم حرمانها دون معرفة طريقة التسجيل، أو آليات التوزيع.
وأشار رمضان إلى أنه يعرف مخيمات تسلمت نفس المساعدة من نفس الجهة مرتين، ومخيمات أخرى لم يصلها أي شيء، بينما يعمل المبادرون الذين يديرون مطابخ خيرية بطريقة خالية من الشفافية، ويخصصون مخيمات لتنعم بخدماتهم على حساب أخرى.
وأوضح أن هذه الطريقة تخلق نوعاً من عدم الرضا في صفوف المواطنين والنازحين، وتزيد من مشاعر الغضب، وهذا له مردود سلبي على الترابط الاجتماعي.
بينما أكد النازح خليل رجب أن الجميع يعانون من غياب عدالة التوزيع منذ تراجع دور وكالة الغوث الدولية "الأونروا"، فالأخيرة هي المؤسسة الوحيدة التي تعمل بنظام واضح، وتعتمد على سجل بيانات متكامل لسكان قطاع غزة، وعملياتها تشمل الجميع دون تمييز، وهي تعمل بآلية واضحة حيث تستهدف في البداية الأسر الأكثر عدداً، ثم تتدرج حتى تصل إلى أصغر الأسر دون أن تستثني أحداً.
من جهته، أكد المستشار الإعلامي لـ"الأونروا" عدنان أبو حسنة أن إسرائيل تمنع إدخال مواد غذائية وإغاثية اشترتها "الأونروا" بمئات الملايين من الدولارات.
ولفت إلى وجود نحو 6000 شاحنة تابعة للوكالة مكدسة حالياً في المخازن في الأردن ومصر، تحتوي على مواد غذائية تكفي قطاع غزة لمدة 3 أشهر كاملة، إضافة إلى خيام و"شوادر" بلاستيكية تكفي لمليون و300 ألف مواطن.
وشدد أبو حسنة على أن "الأونروا" ما زالت الجسم الوحيد المتماسك الذي يواصل تقديم خدماته في قطاع غزة، معتمداً على كادر وظيفي يبلغ 12 ألف موظف حالياً.