تكشف عملية سطو كوماندوز «دلتا» العسكرية الأميركية على العاصمة الفنزويلة كاراكاس، واختطاف رئيس الدولة المدني المنتخب نيكولاس مادورو، المدى الذي وصلت اليه، وأبعد من ذلك المدى الذي يمكن ان تصل إليه الولايات المتحدة، من أجل البقاء كقوة عظمى وحيدة تتحكم بالعالم بأسره، دون أي ضابط، بل دون ادنى إقرار بالمساواة والعدالة بين البشر، وكأن أميركا ما زالت هي الدولة الإمبريالية التي كانت عليها حين أقدمت على إلقاء القنابل النووية على هيروشيما وناغازاكي، وهي بهذا المنطق وبهذه السياسة تضع العالم بأسره على كف عفريت، يمكنه ان يشعل نار حرب عالمية، في ظل عالم نووي، فيه ما يقارب من 20 ألف قنبلة نووية، بين ايدي احدى عشرة دولة، يمكن لأحدها وبعدد قليل جدا من هذه القنابل ان يقتل الحياة بالكامل من على الكرة الأرضية.
يمكن قول الكثير فيما تعنيه عملية اختطاف دولة عظمى، ما زالت على رأس النظام العالمي، وما زالت هي أقوى دولة عسكرياً، واكبر دولة اقتصادياً، لرئيس دولة أخرى، لكن أهم القول هو أن اي عمل تقوم به أميركا ينطوي على قدر كبير من الخطورة، خاصة ونحن نتحدث عن أعمال عدوانية منافية للقانون الدولي، يمكن وصفها بالقرصنة التي يقوم بها اللصوص وقطاع الطرق، وقراصنة البحار، الذين هم آباء وأجداد القادة الأميركيين خاصة من الحزب الجمهوري اليميني المحافظ، ولو كان مثل هذا الأمر يأتي من دولة اقل أهمية لربما كان الحال أقل خطراً، ذلك انه يمكن لمجلس الأمن أو للدول العظمى ان تتدخل وتضع حداً لها، كما فعلت الأمم المتحدة، وفي مقدمتها أميركا نفسها مع العراق حين احتل الكويت، لكن حين تسطو دولة عظمى، بل الدولة الأعظم على دولة اضعف، وكل دول العالم فرادى هي أضعف عسكرياً واقتصادياً من أميركا، فإن أحداً لا يمكنه ان يوقفها عند حدها، وفي أقصى الأحوال يمكن لعضو في مجلس الأمن ان يقدم مشروع قرار للإدانة الشفوية، فيحبط بالفيتو، ولا أحد بالطبع يمكنه ان يحلم بأنه يمكن إصدار قرار ضد السطو الأميركي على فنزويلا تحت البند السابع مثلاً، لأن ذلك لم يحدث ضد إسرائيل، لأنها ربيبة أميركا وفي ظل ارتكابها لحرب إبادة جماعية، موصوفة بهذا من قبل المحكمة الدولية.
المهم برأينا، إزاء هذه العملية النكراء، ان نتحدث عن دوافعها وأسبابها من جهة، وعن تداعياتها من جهة أخرى، وهنا لا بد من العودة قليلاً، أولاً الى نحو عام، اي الى الايام الاولى التي تلت دخول دونالد ترامب وطاقم إدارته البيت الأبيض، في كانون الثاني من العام الماضي 2025، وثانياً الى ما قبل ذلك، الى ولاية ترامب الأولى، وما تلاها اي ولاية جو بايدن، والنظر الى الملمح العام للسياسة الخارجية الأميركية، ففي اول ولاية ترامب الأولى، سارع ترامب الى إطلاق التهديدات ضد كوريا الشمالية، ثم اشتبك مع ايران ليصل الى تعليق اتفاق دول 5+1 وهي مجموعة الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن إضافة لألمانيا، وتعليق الاتفاق يعني بأن أميركا لا تقيم وزناً للتوافق مع الدول العظمى، وليس فقط مع الدول الأقل أهمية او الأقل قوة عسكرياً واقتصادياً، ثم انخرط في ولايته ليتجاهل القانون الدولي سواء باعترافه بالضم الإسرائيلي للقدس وللجولان، وهذا منحى يدل على أن أميركا دولة مارقة لا تقيم وزناً للقانون الدولي، وبالتالي لا تهتم ولا بأي شكل بالعدالة الإنسانية، وفي حقل السياسة حاول فرض ما سماه بصفقة القرن، وحين فشل، القى بكل ثقله للخروج باتفاقيات أبراهام، حتى غدا كما لو كان رئيساً «لدولة إسرائيل» وليس رئيساً لأميركا، ثم انه خرج من البيت الأبيض بارتكاب خطيئة التحريض على الهجوم على «الكابيتول»، اي بممارسة «البلطجة» السياسية.
ولم تختلف سياسة جو بايدن الخارجية تماماً او في الجوهر عن سياسة ترامب، حين حرض أوكرانيا على شن الحرب على روسيا، او على الأقل «جر شكل» الجار الروسي لشن الحرب، وكان يهدف بذلك انهاك روسيا وإخراجها من دائرة التأثير الدولي، من أجل التفرد لمواجهة تنامي القوة الصينية المزدوجة، الاقتصادية والعسكرية، وهو الهدف الذي صار هاجساً لأميركا بجمهورييها وديموقراطييها، ولهذا فما ان دخل ترامب مجدداً البيت الأبيض حتى سارع الى إلقاء قنابل الحرب الاقتصادية في كل الاتجاهات، لأنه يسعى لتحقيق هدف وقف نمو الاقتصاد الصيني، والغريب ان اميركا لا تفعل هذا من خلال الانخراط في التنمية الداخلية، كما تفعل الصين التي ينمو اقتصادها بناء على ما تقوم به أيديها العاملة، بينما الاقتصاد الأميركي ما زال يعيش على ما تظفر به اميركا من مكانتها العالمية، خاصة من اعتماد الدولار كعملة تحويل وتبادل عالمي، وكذلك من سطو قوتها العسكرية على ثروات الشعوب والدول في كل أنحاء المعمورة، ولو حتى من خلال إجبارها على استثمار أموالها في أميركا، مقابل «حمايتها» من جيران تقوم هي وإسرائيل بتهويل المخاوف بينهم، خاصة في الشرق الأوسط من اجل بيع سلاحها الراكد، وهو يكاد يكون احد اهم مصانعها الإنتاجية.
المهم أن كل ما قاله ترامب واعلنه من تعرفة جمركية، ومن ادعاء او رغبة في ضم دول ومقاطعات، من أجل تعزيز مكانة وقوة الاقتصاد الأميركي الكسول، الذي وفق التقديرات الحالية سيتراجع للمكانة الثانية بعد الاقتصاد الصيني خلال سنوات قليلة قادمة، حيث تشير التقديرات الى ان نسبة نمو الاقتصاد الصيني تتجاوز 5% سنوياً، وحيث ان الناتج المحلي الأميركي يقترب من 30 تريليون دولار مقابل ما يقارب من 20 تريليون للصيني، فهذا يعني بأن الصيني سيتفوق خلال 10 سنوات على الأميركي، وفي حال تحالفت الصين مع آخرين، وهذا ممكن في حال تقدمت «بريكس» على طريق شطب الدولار كعملة تبادل دولية، فإن إسقاط النظام العالمي الأميركي بات قاب قوسين او ادنى، بل بات ممكناً جداً، وفي وقت قريب جداً، لهذا فإن العالم شهد خلال ولايتي بايدن وترامب توترات مختلفة عن تلك التي تلت انتهاء الحرب الباردة، وقادتها أميركا لفرض نظامها العالمي بالسيطرة العسكرية، حين شنت حروباً في شرق أوروبا ضد صربيا، وفي آسيا الوسطى ضد أفغانستان، وفي الشرق الأوسط ضد العراق.
رغبة ترامب اذاً في ضم قناة بنما، وضم غرينلاند وكندا، وفرض التعرفات او الأتاوات الجمركية خاصة على الجيران، كندا والمكسيك، تعني بأن إدارته تحاول ان تبقي وبأي شكل وبكل الوسائل والطرق على جبروتها الكوني، وفنزويلا باحتياطي نفطي يقال بأنه الأول عالمياً وبثروة تقدر بنحو 1،7 تريليون دولار اغرت ترامب وادارته للسطو عليها، وأميركا تعتقد بأن اختطاف رئيسها يفتح لها الباب واسعاً لتحقيق ذلك الهدف، وما كل ما ادعته من ان هناك مهربي مخدرات ما هو إلا اكاذيب، وترامب نفسه اطلق سراح رئيس هندوراس الذي حكمت عليه أميركا بالسجن 45 سنة، بعد إدخاله 400 طن مخدرات اليها، اما ما يدعيه نائبه الذي هو على شاكلته جي دي فانس، من أن أميركا تريد استعادة نفطها، في إشارة الى قرار فنزويلي اتخذ قبل عقود بإلغاء عقود شركات النفط الأميركية، ففضلاً عن ان مادورو ليس له علاقة به، فهو كان قراراً سيادياً فنزويلياً، ولو كان لأميركا اية حقوق في فنزويلا لذهبت للمحاكم الدولية لو للأمم المتحدة ولمجلس الأمن.
لكن بالطبع اميركا وهي تعود للسير على الطريق الامبريالي لفرض الهيمنة الاقتصادية باستخدام الهراوة العسكرية، على العالم، فهي تشق طريقاً خطراً للغاية، وهي تقامر تماماً كما تفعل اسرائيل في الشرق الأوسط، بعلاقتها بالعالم وبـ «حديقتها الخلفية» التي تعتبرها من ضمن ممتلكاتها الخاصة، اي اميركا اللاتينية والوسطى وحتى كندا، وحدود ذلك الطريق الخطر ستتضح بعد وقت قصير من خلال ردود الفعل الفنزويلية اولاً واللاتينية ثانياً، والعالمية ثالثاً، واذا كانت اميركا ذهبت الى استخدام ما تمتلكه من تفوق في التكنولوجيا العسكرية، كما فعلت إسرائيل في حرب العامين الحالية، وعلى شكل «فيلم آكشن» بدا فيه ترامب مثل توم كروز، او ارنولد شوارزينغر او حتى «رامبو» سلفستر ستالون، وهو المولع بالمصارعة الأميركية الحرة، فإنها باختطافها الرئيس مادورو فتحت باب الحرب ولم تغلقها.
والأمر سيتوقف على مدى تماسك الدولة الفنزويلية، حيث سارعت نائبة الرئيس الى تولي قيادة البلاد، والى تسليح 4،5 مليون مقاتل، فيما دعا الرئيس الكوبي الى تحالف لاتيني بين الدول المهددة من قبل اليانكي الأميركي، ومن خلف كل هؤلاء يراقب الدب الروسي والتنين الصيني، وهما قد يفتحان الباب على مجلس الأمن بضرورة تغيير إحدى أدوات النظام العالمي، فيما يبقى من يضحك كثيراً هو من يضحك اخيراً.