تاريخ النشر: 08 كانون الثاني 2026


آراء
قراءة سريعة في التطورات الأخيرة من منظور اقتصادي
الكاتب: سنية الحسيني


بعد شهور من الضغط العسكري الأميركي على نظام مادورو، شنت قوات أميركية غارة على كاراكاس، في الساعات الأولى من صباح الثالث من كانون الثاني، واعتقلت الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، وأجلتهما جوًا خارج البلاد، حيث يحتجز في مدينة نيويورك، ويواجه اتهامات تتعلق بالمخدرات والأسلحة. وفي مؤتمر صحافي عُقد يوم السبت الماضي من الأسبوع الجاري، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن واشنطن ستُدير البلاد إلى أجل غير مسمى. وألمح ترامب إلى أنه سيشن عملية عسكرية أخرى إذا لم تتعاون نائبة الرئيس الفنزويلي مع الولايات المتحدة. يُعتبر هذا الأسلوب الذي انتهجه ترامب مع مادورو نقطة تحول خطيرة في سياسة الولايات المتحدة الخارجية، بالتعدي على سيادة الدول، خصوصًا في ظل تهديداته لإيران ولبنان، وغزة، وكوبا، وغرينلاند.
يذكرنا ذلك بأحداث حدثت قبل ٢٣ عامًا، عندما هاجمت الولايات المتحدة العراق لإسقاط نظام الرئيس صدام حسين، لأسباب معلنة واهية، وإستراتيجية أميركية حملت عنوان «الحرب على الإرهاب» تم تفعيلها والعمل بها لحقبة كاملة في المنطقة، دفعت العراق وأفغانستان ودول أخرى في المنطقة ثمنًا باهظًا من دماء شعوبها، وسلامها وأمنها، ومقدراتها الاقتصادية. فالاستراتيجيات الأميركية الخارجية تبحث عن مصالحها الذاتية، وتغض الطرف عن أي أثمان قد تتكبدها شعوب العالم المستهدف في إطار تنفيذ تلك الاستراتيجيات. ويبدو أن دولًا عديدة في العالم اليوم أمام خطر تحمّل تبعات الإستراتيجية الأميركية الترامبية، التي يمكن أن تتخطى حدودًا خطيرة، خصوصًا في تبعاتها على المستهدفين.  
لم تكن الأهداف الاقتصادية بعيدة عن الأهداف الإستراتيجة الأميركية في الماضي، وإن كانت مصاحبة لأهداف جيوسياسية وأمنية أخرى، دون إبراز، أو تضخيم. إلا أن الجديد في ذلك أن ترامب لا يخفي أهدافه الإستراتيجية الاقتصادية عمومًا، بل يصرح بها دون مواربة، وقد يكون ذلك بسبب خلفيته التي تعتبر الصفقات التجارية والأرباح المالية لها الأولوية. أكد ترامب أن الولايات المتحدة «ستُدير فنزويلا»، بغض النظر عن طبيعة دور الفنزويليين في ذلك، لتستخرج نفطها وتبيعه، من خلال الشركات الأميركية. وتمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مُثبت في العالم، غالبيته من النفط الثقيل، ويعادل قرابة ١٧–١٨ في المائة من الاحتياطات العالمية. وسيمكن دمج كميات النفط الفنزويلي لإنتاج الولايات المتحدة لتدخل الأخيرة في أسعار النفط العالمي، وامتلاكها أداة تفاوضية في ملفات الطاقة والعقوبات والتحالفات الإقليمية.
إن النزعة التجارية في السياسة الخارجية الأميركية ليست جديدة، إلا أنها باتت معلنة وأكثر جرأة في عهد ترامب، فقد وصمت سياسة الولايات المتحدة منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، بعد أن تربعت على قطبية العالم منفردة، وترسخت في ذلك الموقع بعد ذلك في النظام الدولي بعد الحرب الباردة. في تقرير لمركز الأمن القومي الأميركي نشر في العام ٢٠٠١، بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، اعتبرت أن غزو أفغانستان سيحقق استقرارًا إقليميًا يسمح بمرور خطوط طاقة مستقبلية من آسيا الوسطى، طبعًا بالإضافة لأهداف أخرى مركزية، كتحييد التهديد الإرهابي، ومنع استخدام أفغانستان كقاعدة هجوم مستقبلية، وإعادة تشكيل البيئة الأمنية في آسيا الوسطى. وأما بالنسبة للعراق، فأكد تقرير لوزارة الدفاع الأميركية لعامي ٢٠٠٢ و٢٠٠٣، أن العراق سيصبح بعد الغزو دولة مستقرة وسوقًا مفتوحة، وسيتم إعادة إعمار العراق بتمويل ذاتي، من النفط، وأن الولايات المتحدة لن تتحمل عبئًا ماليًا طويل الأمد. وفي تقرير قُدم في ذلك الوقت حول الغزو الأميركي للعراق، وهو بعنوان: «أميركا في الألفية الجديدة»، اعتبر أن السيطرة الأميركية على العراق سيؤدي إلى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، وتأمين تدفّق الطاقة العالمي، وتعزيز الهيمنة الاقتصادية الأميركية عالميًا. بعد الغزو، اعترفت تقارير رسمية أن الافتراضات حول سرعة الاستقرار في العراق، وتمويل الإعمار ذاتيًا، وانخفاض الكلفة، كانت خاطئة أو مبالغًا فيها بشدة.
قد يبدو الأمر أكثر وضوحًا في حالة الحرب الغربية، بمبادرة وتأجيج أميركي على روسيا في أوكرانيا. قبل اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في شباط 2022، كانت روسيا وشركاء الاتحاد الأوروبي تربطهما علاقة تجارية وثيقة جدًا، وهو ما شكل قلقًا للولايات المتحدة. ففي عام 2017 مثّل الاتحاد الأوروبي حوالي ٤٤ في المائة من إجمالي التجارة الخارجية لروسيا، وكانت روسيا رابع أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي. كما شكل الغاز الروسي حوالي نحو ٤٠ في المائة من واردات الغاز في الاتحاد الأوروبي، وتعد تلك النسبة مرتفعة جدًا في إطار مجمل واردات الطاقة إلى أوروبا، واعتبرت روسيا أكبر مصدر للنفط والغاز الطبيعي للاتحاد الأوروبي قبل العام 2022. ليس من الصعب اكتشاف أثر ونتائج تلك الحرب لمصلحة الولايات المتحدة، فارتفع حجم التجارة الثنائية الأوروبية الأميركية إلى أكثر من واحد ونصف تريليون دولار بعد الحرب، كما باتت الطاقة تشكل عنصرًا مركزيًا في العلاقة بين الطرفين، فأصبحت الولايات المتحدة أكبر مورّد للغاز الطبيعي المُسال إلى أوروبا، والذي شمل أكثر من نصف واردات أوروبا، أي مسحت الولايات المتحدة الدور الروسي وتفوقت عليه. واليوم، بعد أن أمنت الولايات المتحدة تلك الصفقات لصالحها، لم يعد من دور وأهمية لاستمرار الحرب، وهو ما تعكسه رغبة ترامب باغلاق ذلك الملف. يأتي ذلك على الرغم من انفلات الاستقرار، وانزلاق تلك الدول لأزمات أكبر بعد ذلك، لا يعد مستبعدًا. وتشهد تبعات الحرب الأميركية على أفغانستان والعراق وليبيا واليوم في أوكرانيا على ذلك. وقد يفسر ذلك أهمية الطاقة، والدول التي تمتلك الطاقة للولايات المتحدة عمومًا، وفي عهد الرئيس التاجر اليوم. إن ذلك يرجعنا إلى غزة، وتصريحات ترامب تحديدًا حول طموحاته الاقتصادية ومشاريعه المستقبلية فيها، والذي جعله يضع نفسه رئيسًا لمجلس السلام، الذي سيقود مستقبل إعمار غزة، وهو المخطط والهدف المرجح لدى ترامب.
خلال ولاية ترامب الأولى وحملته لإعادة انتخابه، بدا وكأنه يُغيّر جوهر الاستراتيجية الدفاعية الأميركية الكبرى، اشتكى من ضخامة ميزانية الدفاع، وتساءل عن جدوى حلف الناتو والتحالف الأميركي الكوري، وشكّك في أهمية أوكرانيا للمصالح الأميركية، إلا أنه في ولايته الثانية قد اكتشف أهمية المشاريع الخارجية المربحة، خصوصًا تلك التي تتعلق بسوق الطاقة، فاتجهت سياسته نحو التوسع، وواجه إيران بشكل تخطّى سياسة أقرانه، واختطف رئيس فنزويلا، في عملية عسكرية مربحة، وغير مكلفة، وسيدير غزة بأموال الممولين العرب، فلم يفكك تحالفاته، التي دعا اليها في الماضي، وبدأ بدعم زيادة الإنفاق الدفاعي الأميركي، لتحقيق أهدافه المربحة.
لطالما اتسم تاريخ السياسة الخارجية والإستراتيجية الدفاعية للولايات المتحدة بطابعٍ توسعيٍّ شامل. فعلى مدى 101 عام بعد تنصيب جورج واشنطن أول رئيس للولايات المتحدة عام 1789، وحتى معركة «ووندد ني» التي أنهت فعليًا المعارك المسلحة مع السكان الأصليين عام 1890، انتهجت الولايات المتحدة استراتيجية توسعية كبرى، محولةً ما كان مجرد شريط ضيق من البلاد على ساحل المحيط الأطلسي إلى قوة قارية. واستمرت سياسة الولايات المتحدة بعد ذلك في الحقب التالية ضمن منهج استراتيجي يقوم على ذلك الأساس، وفق مكانة واعتبارات مختلفة، ستكون محورًا لمقال الأسبوع القادم.