تاريخ النشر: 08 كانون الثاني 2026


دفاتر الأيام
لماذا مات إبراهيم؟
الكاتب: سما حسن

 


عندما همست لنفسي للمرة الألف، وبعد أن بكيت كثيراً حتى شعرت أن قلبي سوف يتوقف، فقد لذت بالأريكة كقطة تلعق جراحها، وتساءلت همساً بالطبع: لماذا مات إبراهيم؟ ولم اكن أعرف أن ابنتي التي تراقبني خوفاً عليّ قد سمعت همسي، فقد قالت لي العبارات المعتادة بأن عمره قد انتهى، وان هذا قدره ونصيبه، ومع إيماني التام بكل كلمة، فقد همست بهذا السؤال لكي أتذكر أنني قد خذلته، لكني لم أكن أملك شيئاً له أو لغيره، فقد كان كل ما يحدث هناك فوق طاقتي.
قالت ابنتي: لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وهكذا أقنعت نفسي وسرحت باليوم السابق لخبر موته حين ألقى علي بتحية مهذبة من خلال تطبيق "الواتس اب". كنت أحب أسلوبه المهذب البسيط، وخاصة حين يقول لي "يا خالة"، لكني في كل مرة كنت أجيبه باقتضاب تحرجاً منه ومن غيره، ولأنني أعرف سوء الحال الذي هم فيه، وأنني لا أستطيع المساعدة حتى لو جمعت مساعدات قليلة وأرسلتها من مصر حيث غربتي القسرية منذ اكثر من عام ونصف، فهذه المساعدات لا تُسمن ولا تغني من جوع، فقد كانت الأسعار مرتفعة في المرة الأخيرة التي فعلت فيها هذا، وكنت أعرف أن المبلغ الصغير الذي استطعت تدبره لن يكفي لوجبة غَداء في يوم واحد، ولكنني فعلت بكل خجل وحزن.
في اليوم السابق لخبر موته كنت أعرف انه بحاجة لمساعدة، ولم أكن أملك ذلك فعلاً، فأنا هنا لم أخرج كما قد يتوقع البعض إلى الجنة، فتكلفة الحياة في الغربة وحيث لا تمتلك أي أوراق ثبوتية توفر لك على الأقل علاجاً مجانياً كما كنا نفعل في غزة، وحيث كنا نتلقى العلاج في عيادات الأونروا ونحصل من خلال خدماتها على تحويلات طبية داخل وخارج القطاع، أما هنا فيجب ان تدفع ثمن كل حبة دواء، إضافة لمصاريف كثيرة أولها إيجار البيت، وقد كنا نعيش في بيوتنا التي نمتلكها وهي غالباً بيوت العائلة التي كنا نتوارثها.
كنت فعلياً لا املك سوى ان أتهرب بكل حزن، فأجبته بكلمتين فقط: ربنا يسترها معكم، ولم ازد، وكتب لي كلمتين أيضاً: يا رب، وانتهى الحوار الذي لم يبدأ رغم انني اعرف ان لديه طفلين، وأنه يعيش في مخزن ضيق مع من تبقى من عائلته وذلك في وسط القطاع، وانه قد حاول العودة إلى مسقط رأسه في الجنوب، ولكن بيت العائلة تعرض للقصف ولم يكن امامه خيار سوى البقاء في هذا المكان الذي يمتلكه أقاربه، وقد أخبرني أنه أفضل من العيش في خيمة، ولم يكن يعرف أنه سيبقى فيه انتظاراً لنهايته مع طفله ذي التسعة أعوام.
 هكذا مات إبراهيم حين انهار البيت الملاصق للمخزن القديم الذي كان يحميه ويستره من البرد والمطر، فقد انهارت البناية ذات الطوابق الأربعة فوق ذلك المخزن، وانتشل إبراهيم جثة هامدة، مات إبراهيم أثناء نومه، وكلما تخيلت ذلك أغلق عيني لأن مجرد الخيال مؤلم، كيف يمكن أن ينام الإنسان وهو لا يعرف انه لن يستيقظ؟ كيف ضم جسد طفله البارد في الليلة الأخيرة وهو لا يعرف انها الضمة الأخيرة، وهو لا يعرف ان هذا الحضن سوف يضمهما فعلاً في قبر واحد؟
لماذا مات إبراهيم؟ لو بحثت عن إجابة فسوف أجيب بألف سبب، أولها ان البيت قد انهار بسبب الحرب وقد تعرض للقصف مراراً حتى تصدع واصبح مثله مثل الآلاف من المنازل في غزة الآيلة للسقوط، والتي يلجأ إليها الناس وهم يعرفون ان فيها مقتلهم، لكنهم لا يجدون خياراً غيرها بسبب البرد والمطر، ولأن الخيام هي قطعة من الجحيم، ولأن الموت يلاحقهم في كل مكان، فمن الأفضل ان يموتوا تحت سقف أسمنتي بدلاً من ان يموتوا في العراء، ولذلك فقد اختار إبراهيم صديق طفولة ابني الشاب المهذب البسيط والهادئ والدمث الخلق وذي الابتسامة البريئة والوجه السمح أن يموت هكذا، هادئاً ونائماً بجوار بيت يعرف جيداً انه قد يسقط فوقه ذات لحظة ودون رحمة.