اقتربنا في معالجة الثلاثاء الماضي من فرضية أن تفسير الصراع العربي ـ الإسرائيلي بالعروبة والإسلام لم يعد كافياً، وأن إسرائيل هي الطرف الذي قوّض هذا التفسير.
كان الجغرافي المصري جمال حمدان قد فسّر صراع مصر مع إسرائيل بالقيمة الإستراتيجية لبلاد الشام كخط أوّل للدفاع عن وادي النيل.
وقد استعان بشواهد تاريخية، وجغرافية، للتدليل على صلاحية هذا التفسير.
واستعاد محمد حسنين هيكل هذا التفسير في معرض الدفاع عن سياسات عبد الناصر وحروبه، التي كانت، في الجوهر، دفاعاً عن مصر.
ورغم أن أفكار وفرضيات حمدان وهيكل تبدو مجهولة في عالم اليوم، ومن «مخلفات الماضي» التي تسعى قوى مختلفة لأسباب مختلفة (الإبراهيميات والطغاة الجدد، وقوى الإسلام السياسي) إلى طردها من الحقل والمخيال السياسي، إلا أن سلوك الإسرائيليين أنفسهم يُعيدها إلى متن السجال العام، بقدر ما يستدعي تداول مفاهيم وثيقة الصلة بعلوم السياسة، والجغرافيا والتاريخ بدلاً من الإفراط في الكلام عن التكنولوجيا التي غيّرت العالم، وتحالفات المصالح، وعُقد ومنافذ المواصلات والتجارة، التي صارت بديلاً لتحالفات القضايا و»عُقد وعُصابات القوميين واليساريين».
والواقع أن الكلام عن «اليساريين» على نحو خاص، بلهجة استنكارية في الغالب، ينطوي على إعادة إنتاج لميول يمينية يستثمر الإبراهيميون ملايين الدولارات لتكريسها في حقول سياسية مختلفة، ويساعدهم في هذا، للأسف، هزال الكثير من التمثيلات والجماعات اليسارية بالمعنى السياسي، والفكري.
على أي حال، تجلى الاعتراف الإسرائيلي بدولة وهمية، لم يعترف بها أحد، اسمها أرض الصومال كوسيلة إيضاح للتدليل على استيهامات وطموحات وثيقة الصلة بهندسة الخرائط، ومناطق النفوذ، في الشرق الأوسط، والقرن الأفريقي.
ولم تكد تمضي أيام قليلة حتى صارت حركة الانفصاليين في جنوب اليمن الخبر الرئيس على شاشات التلفزيون. ولم يصعب على مراقبي المشهد اليمني، في أماكن مختلفة من العالم، استبعاد رهانات الانفصاليين على الدعم الإسرائيلي، سواء في واشنطن، أو على الأرض، لتحقيق أهدافهم، من كل تحليل محتمل للتصعيد المفاجئ في الميدان.
إضافة إلى ما تقدّم، يمكن الكلام عن شواهد ماثلة للعيان على الأرض في سورية، التي توغّل فيها الإسرائيليون بقوات على الأرض اقتربت، فعلاً، من العاصمة دمشق، وصاروا لاعباً إقليمياً مُقرراً، ضمن آخرين، في استقرار، أو عدم استقرار، النظام القائم في دمشق، وصراعات الطوائف، ورهانات التقسيم.
ويمكن الكلام، أيضاً، عن شواهد لبنانية حيث يسعى الإسرائيليون لإنشاء نظام للسيطرة، والمطاردة الساخنة، ليس في الجنوب اللبناني وحسب، ولكن في مناطق لبنانية مختلفة أيضاً.
وإلى هذا كله تُضاف عودة المكبوت، الذي تجلى في محاولات لم تتوقف منذ عامين لدفع الفلسطينيين في غزة، بشكل خاص، في اتجاه سيناء المصرية.
مهما يكن من أمر، وكأن هذا كله لا يكفي، يأتي الغزو الأميركي لفنزويلا، واختطاف رئيسها نيكولاس مادورو، في عملية تعيد التذكير بمنطق القرن التاسع عشر، كوسيلة إيضاح إضافية للتدليل على تهالك فرضية العالم الذي غيّرته التكنولوجيا، وأولوية المصالح على القضايا.
وما يعنينا من أمر كهذا، علاوة على دلالته الكونية، أنه وثيق الصلة بأوهام واستيهامات قوّة إقليمية صاعدة تسعى لإعادة تشكيل الخرائط ومناطق النفوذ في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي من ناحية، وأوهام واستيهامات قوّة عُظمى في طور الانحدار من ناحية ثانية.
نتكلّم، هنا، عن أحداث من قماشة واحدة. من الحماقة، بالتأكيد، تجاهل القوّة الهائلة، التي يملكها الطرفان الإسرائيلي والأميركي، وحقيقة أنهما شريكان هنا وهناك.
ومع ذلك، ما لا ينبغي تجاهله، في كل الأحوال، أن القوة الهائلة، والعارية، لم تكن أهم روافع الطموح الإمبراطوري على مر التاريخ، بل العقائد، والأديان، والأفكار. سواء أفكار التوحيد، التي حملها الغزاة المسلمون، أو الثورة الفرنسية، التي حملتها جيوش نابليون، أو عبء الرجل الأبيض، الذي حمله مشروع التوسع الكولونيالي الغربي، وصولاً إلى النظام الدولي الذي أسهم الأميركيون في بنائه بعد الحرب العالمية الثانية، معطوفاً على القوة الناعمة للسينما، والابتكارات، ونمط الحياة الأميركية. فهل ثمة من رافعة أيديولوجية لمشروع القوّة الإقليمية الصاعدة؟
أعتقد أن ثمة رافعة أيديولوجية محتملة في فكرة السلام الإبراهيمي.
من سوء الحظ أن هذه الفكرة لم تتحول إلى موضوع للتحليل. والأسوأ من هذا كله أنها تتعرّض للتشويه (وقد يكون متعمداً). لذا، نسمع من وقت إلى آخر كلاماً عن الديانة الإبراهيمية الجديدة.
ولا وجود، في الواقع لشيء كهذا. العمود الفقري للسلام الإبراهيمي هو المخيال العقاري، والجد المشترك، وثقافة الاستهلاك والعُقد والمنافذ والصفقات، وطرد السياسة، وكلام الحقوق أو القيم والقضايا من السجال العام.
وإذا حضرت قيم أو قضايا من نوع الاعتدال والتسامح في مناهج التعليم أو وسائل الإعلام فهي مجرد تمثيلات لغوية فارغة بلا مضامين.
وطالما وصلنا إلى هذا الحد، يمكن تفسير صراعات، ومصادر محتملة للتوتر، بين إسرائيل وحواضر الجوار المصرية والشامية والعراقية (علاوة على تداعيات وامتدادات مغاربية ويمانية) دون الاستعانة برافعتين تقليديتين تفسّران الصراع العربي ـ الإسرائيلي هما العروبة والإسلام.
وبهذا المعنى، تنتقل العلاقة الجدلية بين المسألتين الفلسطينية والعربية إلى أفق أوسع، أكثر تعقيداً، وأقرب إلى الواقع من التسليم بالعروبة والإسلام كمعطيين سابقين ورافعتين مضمونتين في كل الأحوال للصراع العربي ـ الإسرائيلي، دون تجاهل أو نفي حضورهما بنسب معقولة، وبلا مبالغة. فاصل ونواصل.