يمكن لأي شخص في العالم أن يرصد للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عشرات وربما مئات الأخطاء والخطايا والصفات السلبية، لكن في المقابل لديه ميزة مهمة جداً، وهي أنه واضح وصريح لدرجة الفجاجة.
وخلافاً لغالبية الرؤساء الأميركيين، بل ولعدد كبير من قادة العالم، فإنه لا يخفي جوهر مواقفه وسياساته خلف كلمات ناعمة أو تعبيرات دبلوماسية، بل يعلنها صريحة لدرجة تصيب الكثيرين بالصدمة.
في هذا الصدد، يحسب لترامب أنه كشف الوجه الحقيقي للسياسة الأميركية وجوهرها أنها تقوم على استخدام القوة بمختلف أنواعها وصولاً إلى الفَتونة والبلطجة، كما رأينا حينما شنت عدواناً على دولة مستقلة ذات سيادة هي فنزويلا وقبضت على رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته، واقتادتهما جواً إلى سفينة أميركية نقلتهما إلى نيويورك تمهيداً للمحاكمة.
كنت أتمنى أن يستمر ترامب في التعامل بوجهه الحقيقي، وينسى محاكمة مادورو بتهم عبثية مثل تهريب المخدرات وتمويل الإرهاب أو حيازة رشاش وبندقية آلية، فهو يعرف ونحن نعرف والعالم أجمع يعرف أنها تهم مضحكة، والأمر باختصار أن مادورو يرفض الهيمنة الأميركية منذ توليه السلطة خلفاً لأستاذه ومعلمه الرئيس البوليفاري الراحل هوغو تشافيز الذي كان يرى أن أميركا قوة هيمنة.
ظل ترامب يتهم المكسيك طويلاً بأنها تهرّب المخدر الاصطناعي الفنتانيل إلى بلاده، لكن فجأة قرر أن يغيّر الدفة إلى فنزويلا.
فعل ذلك من دون أن يرمش له جفن. وحاصر فنزويلا ثم حظر الطيران فوقها، ثم هاجمها وقبض على رئيسها.
نعود إلى الحديث عن وضوح ترامب الذي جعل العديد من مواطني العالم يقولون، السبت الماضي: إنه يتصرف بمنطق الغابة حيث يأكل القوي الضعيف.
والحقيقة أن منطق الغابة هو الذي يسود العالم دائماً، لكن الفارق الوحيد هو الدرجة، فبعض الرؤساء، خصوصاً الذين سبقوا ترامب في البيت الأبيض، كانوا يفعلون ذلك بطرق ناعمة، في حين جاء ترامب ليمارس «غشومية القوة» من دون أي مساحيق تجميل.
ما فعله ترامب مع مادورو فعله العديد من الرؤساء الأميركيين السابقين مع بعض قادة العالم بصور شديدة النعومة وخلف الأبواب المغلقة.
على سبيل المثال، العديد من الرؤساء الأميركيين السابقين كانوا يهاجمون وينتقدون العديد من الدول النامية ويحاصرونها ويعاقبونها بحجة أنها لا تحترم حقوق الإنسان، ولا تطبق الديمقراطية وتقمع شعوبها وتمنعها من حرية التعبير، رغم أنهم لم يكونوا يؤمنون بكل ما سبق، بل كانوا يستخدمون هذه الشعارات ستاراً لتحقيق مصالحهم، وجاء ترامب ونسف هذه النظرية وسمعناه يقول، السبت الماضي: إنه يريد نفط فنزويلا لشركاته وبلاده.
لم يقل ترامب إنه يريد تحقيق الديمقراطية للشعب الفنزويلي، بل كان صريحاً حد الفجاجة، حينما ركز على النفط الذي تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي عالمي منه.
يحسب لترامب أيضاً أنه لم يتحدث عن الشرعية الدولية، أو دور الأمم المتحدة، التي يهاجمها باستمرار، بل ويسخر منها، كما فعل مؤخراً بقوله: إنه حل مشاكل وأزمات دولية أكثر مما فعلت هذه الهيئة الأممية!!
هو لا يعبأ أو يكترث بالقانون وفي صدام دائم مع القضاء الأميركي، وقبل أسابيع تدخل رسمياً في عمل القضاء الإسرائيلي، وطالبه بالعفو عن صديقه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو المتهم بالفساد!
ويحسب لترامب أيضاً أنه لا يتباهى بأنه يؤمن بالأخلاق، والأدلة على ذلك متعددة ومنها خصوصاً قصة محاولة شراء صمت ممثلة ومخرجة الأفلام الإباحية ستورمي دانيلز، بدفع 130 ألف دولار حتى لا تكشف تفاصيل علاقتهما عام 2006، وكذلك علاقته مع جيفري إبستين المتهم بالاتجار الجنسي بالقاصرين وتقديمه لخدمات جنسية للعديد من السياسيين والمشاهير في دول مختلفة.
لكن الذي سيصيب ترامب بالصدمة أنه لن يستطيع من الآن فصاعداً الحديث عن أنه رجل السلام أو حلّال المشاكل، فقد انتهت هذه النكتة السمجة في اللحظة التي دخل فيها جنود قوة دلتا غرفة نوم مادورو في كاراكاس.
لن يكون بمقدور ترامب أيضاً المطالبة بجائزة «نوبل» أو حتى جائزة «نوفل»؛ لأنه كشف للجميع وجهه الحقيقي كمجرد قرصان لا يؤمن بأي شيء مرتبط بالقانون.
ما فعله ترامب مع مادورو يمكن أن يزيد من شعبيته داخلياً، ويمكن أن يعود بالنفع على الشركات والاقتصاد الأميركي، لكن المؤكد أنه قد ينبّه غالبية المخدوعين بالنموذج الأميركي الذي يقوم على القرصنة.
وبالنسبة لنا كعرب يكفي دعمه المطلق للكيان الأشد إجراماً في العالم الذي يحتل كامل فلسطين ويمارس البلطجة في كل المنطقة.