تاريخ النشر: 06 كانون الثاني 2026


دفاتر الأيام
أربع حبات باذنجان
الكاتب: زياد خدّاش

لا أعرف إن كان جيدا ومفيدا لي أن ألتقي الكاتب الإسرائيلي عاموس عوز، كاتب حكاية يوسف اليعقوبي في القدس.
ما الذي سيكتبه عن يوسف؟، وكيف سيكتب حكاية سنوات الصداقة الرهيبة الوهمية بين همام ويوسف في مشفى الجذام؟، بالتأكيد، ستكون شخصية همام في الرواية حاضرة بقوة، في رواية عاموس كما ستكون في روايتي، همام يا بطلي المصدوم جهز نفسك، لتكون شخصية محورية في روايتين لكاتبين، مكتوبتين بحدقتين مختلفتين، لماذا أرغب في مقابلة عاموس؟ ما الذي أريده منه؟ وماذا سأقول له؟، هل أقول له (اسمع يا عاموس: للرواية شقيق واحد هو العدل)، سيضحك عاموس، أراه يضحك، الآن، وكأني به يقول: (تذكر يا كاتب رواية همام أن عدلك ليس عدلي، كما أن ربك ليس ربي)، هنا فكرت طويلا، في لا جدوى حتى من النقاش المتخيل مع هذا الرجل، هذا الرجل ربما يكون يوسف آخر في حكاية خداع أخرى حدثت في هذه البلاد، يوسف جديد، إذاً، هو من يكتب، الآن، حكاية يوسف اليعقوبي.
لقد بذلتُ جهدا كبيرا في البحث عن المقهى الذي يجلس فيه عاموس في مساءات الجمعة داخل القدس العتيقة، بباب الخليل تحديدا، رأيته يجلس على طاولة في طرف المقهى الذي يقع تحت فندق الإمبريال مباشرة، كان مكبّا على دفتر أصفر سميك، ويكتب باستغراق شديد، أمامه فنجان قهوة لم يرشف منه رشفة واحدة بعد، أتراه بدأ يكتب، الآن، حكاية يوسف؟، أراه سعيدا في صياغة الصور وترتيب الأحداث، يكتب بغزارة، وبين السطر والآخر يرفع رأسه مغمضا عينيه، بنشوة وأحيانا بألم وحيرة، كيف ظهرت ملامح صورة همام التي نقلها له يوسف؟، ما الذي قاله يوسف عن همام؟. سأكتفي بالجلوس أمامه أو ربما الكتابة أمامه، أو الانسحاب، بعد قليل، سأقرر.
عدلتُ عن فكرة الجلوس معه، لأن إحساسا وصلني بخيانة ما لهمام وحكايته إن جلست معه، وضع النادل كأس شاي بالمرمية، على طاولتي، أخرجت دفتري السميك، في حركة تمثيلية ردا على عاموس، حاولت أن أكتب في رواية همام، لكن الحركة التمثيلية تحولت إلى فعل حقيقي صادق بعيدا عن ردة الفعل، اختفى عن مداري عاموس، والمقهى وكل شيء، لم أعد أفكر إلا في شيء واحد: كيف أجعل همام يبتسم في قبره وأنا أكتب حكايته العجيبة، كالمطر انهمرت أحداث الحكاية واضحة كما رواها لي بطلي المقدسي، أربع ساعات من الكتابة، لم أرفع رأسي عن دفتري، ولم يوقظني من سحر هذه الغيبوبة سوى وقوف فلاحة فلسطينية بثوبها هائل الإضاءة، وهي تضع على طاولتي حبة باذنجان بتيري: (شوف يما شوف، شمّه، إلمسه بس، في أشهى من هيك؟)، اشتريت منها رطلا من هذا الذهب الذي أعشقه، وضعتُ كيس الذهب الورقي على الطاولة قرب دفتري محكما إغلاقه، عدتُ إلى الكتابة، لكن صوتا من ناحية عاموس، أوقفني قليلا، كانت الفلاحة تحثُّ عاموس على شراء الباذنجان، ممتعضا حاول أن يقنعها أنه مشغول جدا، كان يبعدها بيديه، مصدرا تأففا، لكنه في النهاية استسلم لها، فأخرج بغضب نقوده بسرعة، أخذ منها أربع حبات وضعها إلى الطاولة قرب دفتره، بعد ساعتين، توقفت منهكا من الكتابة، لقد أنهيت فصلين كاملين، كتبتهما بغيبوبتي الصافية، أريد، الآن، أن أغادر إلى رام الله، سعيدا بغنائمي: فصلين من رواية همام، ورطل باذنجان بتيري، أما خسائري البسيطة فكانت فقط وجعا خفيفا أسفل الظهر، وخدرا في أصابع اليد، قبل أن أخرج من مدخل المقهى، ألقيتُ نظرة أخيرة على طاولة عاموس، كان قد غادر، لا أعرف متى، على طاولته فقط فنجان قهوة ممتلئ، وفي لحظة استدارتي للمغادرة، سمعت النادل يناديني: (أستاذ في حبات باذنجان واقعات تحت طاولتك)، انحنيت تحت الطاولة، رأيت الأربع حبات، تفحصت كيس باذنجاناتي، رأيته مقفلا، وممتلئا، التقطت الأربع حبات، فتحت الكيس، وضعتها فيه، ابتسمت.