
كتبت بديعة زيدان:
استضاف المركز الثقافي بمقر السفارة الفلسطينية في القاهرة، أمس حوارية أدبية استثنائية مع الروائي والأسير المحرر ناصر أبو سرور، تزامناً مع صدور عمله الأحدث ووجوده في العاصمة المصرية، وباعتباره واحداً من أبرز الأصوات التي صهرت تجربة القيد في بوتقة الأدب العالمي، وقد أدار الحوارية الكاتب د. محمود بركة.
في حديثه المستفيض، أبحر أبو سرور في عوالم تجربته التي امتدت أكثر من ثلاثين عاماً في سجون الاحتلال، موضحاً أن السجن بالنسبة له لم يكن مجرد مكان للعقاب، بل كان "مختبراً وجودياً" لاختبار حدود الصبر والقدرة على التخيل، قائلاً: "الجدار في السجن ليس نهاية العالم، بل هو مرآة تعكس أعمق مخاوفنا وطموحاتنا. لقد تعلمت أن أقيم حواراً مع هذا الجدار، أن أجعله شفافاً عبر الكتابة، فكل حرف كنت أخطه كان بمثابة ثقب في ذلك الجدار يمر من خلاله الضوء إلى روحي".
وشدّد أبو سرور على أن السجن يهدف أساساً إلى عزل الأسير عن الزمن والمكان. لذا، كانت الكتابة هي وسيلته لابتكار "جغرافيا بديلة" وزمن لا يخضع لقوانين السجان، معبراً عن ذلك بالقول: "الكتابة سمحت لي بالخروج من حدود الزنزانة الضيقة إلى رحابة الخيال، حيث يمكنه استحضار الشوارع، الوجوه، والروائح التي حُرم منها لعقود".
وأوضح صاحب "حكاية الجدار" و"على سرير الكتابة"، أنه في غياب البشر، تصبح الجمادات هي الشاهد الوحيد على الوجود، لذا كانت الكتابة طريقته لتحويل هذا الجدار الصامت إلى "مخزن للذاكرة" و"شريك في الحوار"، فقد كتب إلى الجدار وعنه، حتى أصبح في نصوصه شخصية حية تنبض بالمعاني.
وشرح كيف أن السجن يحاول قولبة عقل الأسير ليصبح عاطلاً ومستسلماً، فكانت الكتابة هنا بمثابة "تمرين عقلي" يومي لرفض هذه القولبة.
كان يكتب ليعيد صياغة مفاهيمه عن الحرية، والحب، والهوية، بعيداً عن الشعارات الجاهزة، ما جعل نصه يتسم بالعمق الفلسفي والصدق الإنساني المفرط.
تحدث عن التحديات المادية للكتابة، مشيراً إلى أن النص الذي يكتبه الأسير يحمل معه "رائحة الزنزانة" و"ثقل القيد"، لكنه حين يخرج للناس يصبح ملكاً للحرية، مؤكداً أن الكتابة بالنسبة له كانت "رسالة مشفرة" للعالم الخارجي ليؤكد أنه لا يزال حياً، ليس جسداً فقط، بل فكراً وروحاً.
ولفت أبو سرور إلى أن رحلته مع "القيد" لم تبدأ من لحظة اعتقاله، بل بدأت من لحظة ولادته في مخيم "عايدة" للاجئين بين القدس وبيت لحم وبيت جالا، واصفاً المخيم بأنه "السجن المفتوح" الذي صاغ وعيه الأول.
وتحدث بمرارة ذات بعد فلسفي عن "الجدار" الذي يلاحق الفلسطيني، ففي المخيم، الجدار هو الذي يحدد حدود اللجوء ويمنع العودة، وفي السجن، الجدار هو الذي يفصل الأسير عن الحياة. أوضح أن العلاقة بين الاثنين هي علاقة "حصار مستمر".
وأشار إلى مفارقة مدهشة، وهي أن المخيم رغم ضيقه يورث ساكنيه "خيالاً واسعاً" كآلية دفاعية، وهذا الخيال الذي نما في المخيم هو نفسه الذي استخدمه ناصر داخل السجن ليكسر جدران زنزانته، فالكتابة كانت الجسر الذي ربط بين "ضيق الزنزانة" و"حلم المخيم بالتحرر"، ما جعل نصوصه تنطق بلسان كل من عاش تجربة الحصر، سواء خلف الأسلاك الشائكة للمخيمات أو خلف أبواب السجون الموصدة.
وقدم ناصر أبو سرور في حواره وصفاً مذهلاً لما سماه "حاسة الورق" أو "الحاسة السادسة" التي تتطور لدى الأسير خلف القضبان، وهي من أكثر النقاط التي لاقت تفاعلاً في الندوة لشدة خصوصيتها وشفافيتها، فالورقة في السجن ليست مجرد أداة للكتابة، بل هي "رئة" يتنفس من خلالها الأسير، الذي يطور علاقة حسية مع ملمس الورق، ورائحته، وحتى صوته، وعن أن هذه الحاسة تجعل الأسير يشعر بالورقة قبل أن يكتب عليها، فهي المساحة الوحيدة التي لا يمتلك السجان سلطة عليها بمجرد أن تمتلئ بكلمات الأسير.
ووصف "الحاسة السادسة" بأنها قدرة الأسير على استشعار ما وراء الجدران، وأنها نوع من "الرادار النفسي" الذي يجعله يقرأ الأحداث الخارجية، ويشعر بالناس، ويتحسس الحرية القادمة رغم غياب أي مؤشرات مادية.
هذه الحاسة هي التي أبقت روحه متصلة بالعالم الخارجي، فكان يكتب وكأنه يرى الشوارع والناس في القاهرة أو القدس وهو في قلب زنزانته المعتمة، مؤكداً أن "حاسة الورق" هي التي كانت تكشف له زيف الواقع داخل السجن، فعندما يمسك بقلم الرصاص، الذي لا يكتب بغيره، تخرج الحقيقة رغماً عنه؛ فالورق لا يكذب ولا يجامل.
كان يشعر أن الورقة "تستفز" أعمق أفكاره وتجبره على مواجهة ذاته، ما حول فعل الكتابة من توثيق يومي إلى عملية تعرية فلسفية للذات وللواقع.
وفي الختام، لخص أبو سرور هذه الحالة بأنها "دفاع الروح عن نفسها"؛ فحين تُغلق كل النوافذ، يفتح الورق نافذة لا يمكن إغلاقها، وتصبح هذه الحاسة السادسة هي بوصلة الأسير التي لا تخطئ طريقها نحو الحرية.