واضحٌ أن قضايا الاختراق الإلكتروني والابتزاز والتسطيل على ألعاب تأخذ طابعاً جماعياً، وتوقع اللاعبين في شرك الابتزاز وإضاعة الوقت، وباتت يجب أن تُنقل إلى الشاشة الصغيرة عبر حلقات قصيرة تكثف الفكرة وتستخلص العبر وتُظهر واقع الضحايا لتلك الظواهر وتعقيد حياتهم وسهولة ابتزازهم، والأخطر هو الإخفاء والفهلوة لحل المشكلة بحيث يغرق المرء أكثر وأكثر.
وتركز تلك المسلسلات (لعبة وقلبت جد) (باسورد) على دور الأسرة التي تصوَّر أنها غائبة تماماً وهمّها الأساسي تسجيل الأولاد والبنات في مدارس انترناشينول مكلفة، ما يزج الأب والأم في العمل لساعات طويلة، منهم من يعمل سائق «أوبر» ويُخفي عن العائلة وتظهر الأمور عندما يتمشكل مع أحد الركاب وتقع الواقعة ويُكشف أمره، ومنهم من يبتز من سيدة ثرية بهدف علاقات عاطفية على حساب الاستقرار الأسري، وتبدأ مشاكل التطاول على المال العام.
وفي المقابل يقع الأولاد والبنات في نمط آخر من أنماط الحياة في المدارس من حيث التنمّر واستقواء الذكور على الإناث وشللية الابتزاز. والطالب الخلوق هو ضحية، وغياب الشفافية بالعلاقة من الطلبة مع الأهالي، بحيث تتعقد الأمور أكثر للإخفاء والاستخفاف.
ويتصاعد المشهد الدرامي بالتركيز على سلوكيات الأسرة التي تحاكي نمط الأولاد. فجزء مشغول بالظهور على وسائل التواصل الاجتماعي ونشرها لغرض جني الأموال والشهرة والتضارب مع الأبناء الذين عدا عن وحدتهم وخلوتهم مع الأجهزة الإلكترونية يجدون أن الآباء ينجرون لذات المربع بطريقة بدائية تفضح أسرار الأسرة بغرض الشهرة، ويبرز دور الجدات والأجداد بين ملتزم وحريص ومتابع وناصح أمين وبين من يريد أن يحاكي سلوكيات الاطفال الخاطئة.
واضح ان المسلسلات تتعامل مع ظاهرة كونية، ولعل تركيزها عربياً واضح، حيث نتلقى التطور التكنولوجي ونستخدمه كتلقين ونسيء استخدامه ونقع ضحية على المستوى الفردي بفرق الأجيال، الأسرة ضحية، المدارس، الشارع، العمل. والأجمل أنها عولجت درامياً وليس عبر ندوات وعظية إرشادية قد لا يفهم المتابع رأسه من قدميه، بينما درامياً تظهر خطورة الأمر من التضخيم، كيف تتعكر حياة شخص متقاعد من منحه الرقم السري لحسابه البنكي لأول رابط يخترقه ويتصل به، فيقع فريسةً ويصبح متنقلاً بين البنك والجيران، ويقع فريسة لأشخاص يدّعون الخبرة الإلكترونية فيدخل في دهاليزهم ليتورط في مصيبة أكبر، وتكاد صبية في عمر الطفولة تقع فريسة لابتزاز جنسي من خلال مخاطبات إلكترونية وهي لا تعي المفردات التي تُطرح عليها (نعمل زي ما بعملوا المتزوجين) (ناخذ شقة) (اتركي البيت)، والاستخدام السطحي للذكاء الإلكتروني بجعله مرجعاً للاستفسار عن كل شيء فيفتي.
الجرأة التي سيطرت على العملين الدراميين استطاعت ان تصل لعمق المسألة، طرقت باب الأسرة بنماذجها المختلفة: غياب الأم، غياب الأب، غيابهما معاً وترك الولد عند جده، والجدة التي تحضر لإعانة الأب على القيام بأعباء الأسرة، وفي نهاية الأمر تغادر لأنها لم تعد قادرة، والأُم المنشغلة على «التك توك»، والأب المتشدد والذي لا يتابع ابنه المتنمر المؤذي، الطفل الواعي الناصح الذي يذهب ضحية حادث سير ويُتوفى.
مشكلتنا أن الدراما غالباً لا تدخل جوهر مشاكلنا بل تركز على جانب واحد وتستمر به. هذا التحول يستحق الوقوف أمامه وتعزيزه ورفع نسبة مشاهدته ومعالجته النقدية، بحيث يأخذون بالاعتبار النقد الفني الموضوعي، واهتمام المستوى السياسي والحكومي بهذه الاستخلاصات الدرامية والمعالجة السريعة كي لا نقع ضحايا كمجتمع، ونحن نتعامل مع قشور الظاهرة والمجتمع كله يقع.