
القاهرة – خاص بـ"الأيام": شهد المركز الثقافي لسفارة فلسطين بالقاهرة ندوة استثنائية للباحث والناقد السينمائي، الزميل يوسف الشايب، تناول فيها تاريخ السينما الفلسطينية منذ نشأتها، مقدماً كشوفات تاريخية تدحض السرديات الصهيونية وتصحح الكثير من المعلومات المتداولة في المراجع العربية والفلسطينية حول "الريادة الأولى".
وأكد الشايب أن السينما في فلسطين ولدت مع ولادة السينما العالمية؛ حيث ارتبطت البدايات بزيارة المخرج الفرنسي أليكس بروميو، مندوب الأخوين "لوميير" (مخترعي السينما)، الذي صور أولى المشاهد في القدس ويافا وبيت لحم في نيسان من العام 1896.
وعرض الشايب لأول مرة النسخة الكاملة لهذه المشاهد (مدتها نحو 9 دقائق)، موضحاً أن هذه المشاهد تُعد ثاني تصوير سينمائي في التاريخ بعد فيلم "مصنع ليون" في فرنسا.
ولفت إلى أن أهمية هذه المشاهد تكمن في دحضها الرواية الصهيونية القائمة على فكرة "أرض بلا شعب"، علاوة على كونها تساهم في توثيق الهوية الفلسطينية بجغرافياتها، وأهلها، وبملابس سكانها، وأسواقها، وطبقاتها الاجتماعية والإثنية والدينية قبل نكبة العام 1948.
وتطرق الشايب إلى محاولات الحركة الصهيونية تزوير التاريخ السينمائي، مشيراً إلى الادعاء الصهيوني بأن الوثائقي "الفيلم الأول في أرض إسرائيل" المنتج في العام 1911، هو البداية، بهدف بناء سردية تاريخية زائفة، كما تحدث عن دور الصندوق القومي الصهيوني في تمويل أفلام دعائية مبكرة (مثل أفلام ناتان أكسلرود وباروخ أغاداتي) للترويج لفكرة "الأرض الفلسطينية القاحلة".
وكشف الشايب عن مغالطة في بعض المراجع العربية التي اعتبرت فيلم "فوق الأنقاض" (1938) لأكسلرود فيلماً فلسطينياً، بينما هو في الحقيقة وثيقة دعائية صهيونية تتحدث عن بناء الهيكل المزعوم.
ولفت إلى غياب التوثيق الدقيق المرتبط بتاريخ السينما على أرض فلسطين في المراجع الفلسطينية والعربية، مشككاً في الرواية السائدة التي تعتبر إبراهيم سرحان صاحب أول فيلم فلسطيني (توثيق زيارة الملك سعود في العام 1935)، مؤكداً غياب أي دليل مادي أو "نيغاتيف" أو حتى وثائق أو إعلانات تثبت وجود هذا الفيلم، رغم وجود ما يوثق لأفلام أخرى لسرحان، رغم اختلاف الروايات إذا ما كان صنعها بنفسها أو كان مساعداً لصانعيها.
وسلط الضوء على تجربة الأخوين لاما (بدر وإبراهيم)، مؤكداً أن فيلمهما "الهارب" الذي صُور في بيت لحم العام 1935، فيلم مصري فلسطيني، كون أن شركة الإنتاج (كوندور فيلم) التي يملكها الأخوان الفلسطينيان، هي شركة مصرية مقرها الإسكندرية، ولاعتبارات تتعلق بمشاركة جهات فلسطينية في الإنتاج بشكل مباشر، أو غير مباشر، عبر توفير اللوجستيات لفريق الفيلم من فلسطينيين وغيرهم، خاصة ما يتعلق بالإقامة، والتنقلات، والمأكل، والمشرب، وغيرها، ولكون الكثير من المجاميع الفلسطينية من بيت لحم ومحيطها شاركت في الفيلم، بالإضافة إلى كون مخرجه وكاتبه وبطله الرئيس وغيرهم من الفلسطينيين، وإن شارك في بطولته نجوم من مصر كفاطمة رشدي وامتثال فوزي، وغيرهما.
وعرض الشايب صورة نادرة من أرشيف المقتني جورج الأعمى تظهر الأخوين لاما رفقة الفنان عبد السلام النابلسي، أثناء تصوير "الهارب" في بيت لحم، معلناً أنها ستكون غلاف كتابه القادم "حكايات الفيلم الفلسطيني الأول"، وهو الإصدار الأول ضمن سلسلة من عدّة كتب بعنوان "شاشة البلاد".
وأعلن الشايب عن كشف تاريخي غير مسبوق يتعلق بما اعتبره أول منتج سينمائي فلسطيني روائي، أُنتج مطلع الثلاثينيات كجزء من عمل مسرحي وسينمائي مشترك، لافتاً إلى أن الرائد المسرحي الفلسطيني البارز نصري الجوزي هو العقل المدبر لهذا الإنجاز، الذي يثبت أيضاً أن الفلسطينيين سبقوا الكثير من التجارب العربية والأوروبية في دمج المسرح بالسينما (التجريب السينمائي).
وختم الشايب الندوة، التي أشاد بها الحضور لجدتها وجديتها، وأهمية ما جاء فيها، بالإشارة إلى أن كتابه القادم سيتضمن وثائق وفيديوهات نادرة يمكن الوصول إليها عبر تقنية "رمز الاستجابة السريعة" (QR Code)، لعله يشكل باكورة مرجع تأريخي بصري يغطي 103 سنوات من تاريخ "شاشة البلاد" (1896 – 1999)، معرباً عن أمله في أن تتاح له الفرصة لنشر الأجزاء كافة، واستكمال المشروع بسلسلة أخرى حول السينما الفلسطينية في الألفية الثالثة.