
كتبت بديعة زيدان:
احتفى معرض القاهرة الدولي للكتاب بالروائي المصري إبراهيم عبد المجيد، لمناسبة بلوغه عامه الثمانين، خلال ندوة تحوّلت إلى مساحة لسيرة إنسانية وإبداعية لكاتب بقي حاضراً، ومتجدداً، ومخلصاً للحكي، والناس، والمكان.
شارك في الاحتفالية نخبة من النقاد والكتاب والمبدعين، من بينهم: أحمد فضل شبلول، أيمن الحكيم، د. إيهاب بديوي، بشري عبد المؤمن، د. حسين عبد البصير، زين العابدين فؤاد، سيد عبد الحميد، صلاح زكي أحمد، نشوى أحمد، د. يسري عبد الله، ووائل لطفي، فيما أدار اللقاء الكاتب محمود التميمي.
وخلال كلمته، أكد الروائي إبراهيم عبد المجيد أن الثقافة ومعرض القاهرة للكتاب يمثلان القوة الناعمة المصرية، بل والقوة الحقيقية المتبقية لمصر، مشيراً إلى أن مصر لا تزال تمتلك أدباء وكتّاباً كباراً.
تحدث عبد المجيد عن حالة غريبة من "التخاطر" بين الواقع وما يكتبه في رواياته، فمنذ انتهائه من روايته الأحدث "سامح الفؤاد"، التي ذكر أنها تدور حول بطل يعشق السينما القديمة، أصبح التلفاز يعرض له باستمرار الأفلام والأغاني التي ذكرها في الرواية، وكأن القدر يشاركه الاحتفاء بعمله.
وروى عبد المجيد موقفاً طريفاً ومذهلاً في آن، حيث استدعى مشهداً من الرواية تم فيه القبض على البطل داخل بيته بحي المعادي القاهري قبل عقود، ليجد نفسه بعد ساعة في موقف مشابه تماماً، حيث حط رجال الشرطة في منزله.
وأشار الروائي المُحتفى به بذكاء إلى أن هذا التوافق المدهش هو نتيجة "الصدق الفني"؛ فالمبدع حين يخلص لتفاصيل عالمه، يبدو أن الكون يتآمر ليؤكد له هذا الصدق بمفاجآت واقعية.
تحدث عبد المجيد بصراحة عن ميله للعزلة في الآونة الأخيرة، مشيراً إلى أنه أصبح يفضل البقاء في البيت على ارتياد المقاهي التي استنفد طاقتها وتجاربها عبر سنوات طويلة، ومشدداً على أن هذه العزلة ليست انغلاقاً، بل هي اختيار لمساحة تسمح له بالقراءة والكتابة والهدوء، بعيداً عن صخب الندوات التي أصبح يعتذر عن معظمها احتراماً لصحته ووقته وجهده.
وكشف عبد المجيد عن جانب مذهل في انضباطه الفكري، فمنذ الدورة السابقة لمعرض الكتاب وحتى الآن، قرأ وكتب مراجعات وتعليقات على ما يقارب الأربعين كتاباً، ما يعكس حيويته الذهنية المستمرة، وتنوّع اهتماماته ما بين الدراسات الفكرية التي يوليها اهتماماً خاصاً في محاولة لفهم ما يحدث في العالم من حولنا، وبين والرواية والشعر اللذين يتابعهما بشغف عبر قراءاته اليومية.
وأظهر عبد المجيد تقديراً كبيراً للدور الذي تلعبه دور النشر المصرية والعربية في استمرار الحركة الثقافية، وخصّ بالذكر الدار المصرية اللبنانية، ومنشورات المتوسط، ودار الشروق، ودار الكرمة، مؤكداً حرصه على اقتناء نسخ من إصداراتها، ما يعكس إيمانه بأن الكاتب هو في الأساس قارئ نهم يدعم الصناعة التي ينتمي إليها.
وفي لفتة فكرية ملهمة، صحّح عبد المجيد مصطلح "القوة الناعمة"، مؤكداً أن الثقافة والمبدعين في مصر هم "القوة الأعظم" و"القوة الحقيقية"، كما أشاد بظاهرة "المبدعات المصريات" اللاتي يقدمن أعمالاً رفيعة المستوى في الشعر والرواية والدراسات، مؤكداً أن هذه المكانة الثقافية لم تأتِ من فراغ، بل هي نتاج تاريخ طويل وقيمة متجذرة لمصر.
إبراهيم عبد المجيد في هذه الاحتفالية، التي شهدت مداخلات قيمة، لم يتحدث كروائي فقط، بل كمفكر ومتابع دقيق لحركة المجتمع، فهو يرى أن الكتابة فعل استمرارية، وأن القراءة هي الضمانة الوحيدة لعدم الانفصال عن الواقع.