
كتبت بديعة زيدان:
تُعد مجموعة "أقرأ كافكا وكلبتي تحتضر" للقاصة الفلسطينية شيخة حليوى، الصادرة عن دار النهضة العربية (2025)، محطة سردية لافتة تعمق الاشتغال على ثنائيات الوجود والعدم، الغربة والوطن، والجسد في تحولاته وانكساراته، كما أنها تضعنا أمام مرآة قاسية للوجود الإنساني.
المجموعة التي تضم ست عشرة قصة قصيرة، ليست مجرد سرد لحكايات عابرة، بل هي حفر سيكولوجي وفلسفي في مفاهيم الفقد، الغربة، والموت الذي يحضر كبطل خفي في معظم النصوص، حيث يتحول اليومي العادي إلى مأساة إغريقية مغلفة بلغة حديثة ومكثفة.
في القصة المحورية التي تحمل اسم المجموعة، نجد البطلة تخوض صراعاً مع "أعباء الحياة" و"أعباء الموت" في آن واحد، بحيث تبرز فكرة "الموت الرحيم" ليس كجريمة، بل كفعل حب لإنهاء معاناة الكلبة "مومو" التي هجرت عالم الكلاب لتكون مع البشر.
القراءة والترجمة هنا ليستا فعلاً معرفياً، بل هما "إحساس بالفقد الوشيك".
تقول البطلة: "قراءة كافكا بإحساس كلبة تحتضر مختلف أيضاً"، وتظهر رغبة عارمة في التخلي عن الانتماء لـ "هذه الدولة البائسة التي تمشي بسرعة نحو نهايتها".
ويحتل الجسد مساحة مركزية في التحليل النقدي لهذه المجموعة، فهو ليس مجرد وعاء للروح، بل ملف شائك بحد ذاته، ففي قصة "ZOOM IN"، يتم تفكيك أسطورة "الصدر العجيب" الذي جذب المصور، ليتبين أنه مجرد حزام سيلكون.
هذا "النهد النافر" هو رمز لكل الحقائق البصرية المخادعة في مجتمع الاستهلاك.
أما في قصة "ملف شائك"، فنجد أغرب تجليات الارتباط الأخوي؛ حيث "تنتقل" الذراع اليسرى من اللاجئ إلى أخيه الذي بقي في الوطن ليواصل العمل.
يتساءل بمرارة: "كيف سأقنع الموظفة في مكتب اللجوء أني تركت ذراعي اليسرى لأخي الصغير؟".
وفي قصة "احتباس"، يتحول الخجل النفسي إلى "مثانة خجولة" تقتل صاحبتها. هنا، الجسد يعبر عن القمع العائلي (الأم) عبر تعطل وظائفه البيولوجية.
تشتغل حليوى على مفهوم "اللا - مكان" أو الأماكن التي فقدت روحها، ففي قصة "الخيط الأبيض"، تمثل "أربع عشرة خطوة" المسافة بين الوجود والعدم.
اللقاء مع الظل في منتصف الطريق هو اعتراف بأن العودة الكاملة مستحيلة: "أربعون عاماً وأنا أنتظرك في منتصف الطريق".
في "لعبة قذرة" و"هل تراني؟"، يتحول المكان إلى وهم أو بيت للأشباح. بطلة "هل تراني؟" تعيش في شقة غير مبنية، وتعتني بزهور لا يراها أحد سواها.
لا تغفل الكاتبة عن تشريح آليات السيطرة الحديثة، سواء كانت سياسية أو تكنولوجية، ففي "خوف قديم"، نجد أن السلطة التي تعتمد على القمع تفشل أمام "طاسة الرعب" التي تختزل ذاكرة مدينة كاملة، وفي "العشاء الأخير"، يتم تقديم نقد لاذع لعصر "المؤثرين" حيث الموت نفسه يصبح محتوى لجلب المشاهدات: "وصل عدد المتابعين إلى عشرة ملايين والعدد مرشح أن يصل إلى مائة مليون!".
أما في "الطابور"، فيفوز المرشح عبر "تنظيف المقبرة" من أعمال السحر، وهو نقد مباشر للعقليات التي تُقاد بالخرافة بدلاً من البرامج الخدماتية.
تعتمد شيخة حليوى تقنيات تجعل من مجموعتها نسيجاً متلاحماً، منها المونولوج الحواري، كما في قصة "الوافدة الجديدة"، حيث تتداخل الأصوات لدرجة يصعب معها التمييز بين المتحدث والسميع، ما يوحي بوحدة المصير الإنساني.
أما تقنية النهايات الصادمة، فتبرز في اعتماد حيلوى غالباً على قفلة سردية تقلب موازين القصة، كما في اكتشاف السيلكون في "ZOOM IN" ، أو انتحار الضابط في "خوف قديم".
في حين تذهب إلى "اللغة العارية"، البعيدة عن الترهل، وتستخدم الكلمات كأدوات تشريح جراحية، دقيقة ومؤلمة.
ويُشكّل القاموس اللغوي في مجموعة "أقرأ كافكا وكلبتي تحتضر" لشيخة حليوى أداة جراحية لا تكتفي بنقل الأحداث، بل تُشرح الوجود الإنساني في أدق تفاصيله وانكساراته.
لغة حليوى لغة "عادية" في ظاهرها، لكنها محملة بدلالات ثقيلة، فنجد ما يمكن وصفه بـ"معجم الجسد"، حيث يبرز الجسد في المجموعة ليس ككتلة حية، بل كخارطة للألم والزيف والعجز، فالكاتبة تستخدم مفردات جسدية دقيقة تخرج من حيز الوصف إلى حيز الرمزية، كالأعضاء المنكسرة والناقصة، عبر تكرار مفردات مثل "ذراع" ، "وحوض"، و "يد"، ففي قصة "ملف شائك"، تتحول "الذراع" من عضو جسدي إلى مادة للتبادل الرمزي بين الخوة، أما استخدام مفردات مثل "مثانة"، و"تبوّل"، و"احتباس، فيحوّل الوظائف الحيوية إلى أدوات للموت الرمزي الناتج عن القمع.
وثمة معجم آخر يمكن إطلاق توصيف "الموت والاحتضار" عليه، بحيث لا يحضر الموت في المجموعة كنهاية مفاجئة، بل كفعل مستمر، عبر مصطلحات تعبر عن فعل الاحتضار، أو أدوات النهاية كـ"حقنة الموت"، مثلاً، وأمكنة الفناء، كما في "مقبرة"، و"قبر"، وأقبية"، وغيرها.
وتستعين الكاتبة بقاموس حيواني لتعريف الشتات والانسحاق البشري، حيث التماهي مع الحيوان، وحيث السلوك الحيواني كخلاص.
أمّا معجم "المكان والشتات"، فتعكس المفردات المكانية فيه حالة من عدم الاستقرار والبحث الدائم عن مأوى، فالأمكنة الموقتة: "لاجئ"، و"لجوء"، و"دولة محطة"، و"عمارة للاجئين"، فيما يبرز وهم الاستقرار عبر مصطلحات من قبيل: "شقة"، و"قِسط"، و"خريطة"، لذا نجد المكان في المجموعة غالباً ما يكون "بناءً غير مكتمل" أو "شرفة غائبة".
وبما أن البطلة في القصة الأولى تترجم كافكا، فإن المجموعة تحتفي بمفردات التواصل العسير والمشوه، وهو ما نجد تعبيراته في: "ترطن بالألمانية، و"لا يفهم"، و"صوت واحد"، فاللغة هنا هي محاولة لترميم الفقد، لكنها تنتهي بـ"الصمت" أو "الخجل".
مجموعة "أقرأ كافكا وكلبتي تحتضر" وثيقة أدبية عن "إنسان ما بعد الحداثة" الذي يعاني من احتباس الكلمات، وتزييف الأجساد، وضياع الطرق، هي صرخة هادئة في وجه عالم يتفكك، وشيخة حليوى لا تكتب لتمتع القارئ، بل لتورطه في قلق وجودي، وتجبره على النظر إلى "وحماته" الخاصة و"خوفه القديم"، كما تبرع في تحويل الألم الفردي إلى تساؤل كوني، وتجعل من "الهامشي" مركزاً للحدث.
إنها مجموعة تحتفي بالضعف البشري وتكشف زيف القوة، مؤكدة أن الانتماء الحقيقي قد يكون لظل، أو لذكرى، أو لكلب يحتضر في زاوية بيت مهجور.