تاريخ النشر: 26 كانون الثاني 2026

الروائيات العربيات وكتابة التجارب الشخصية: "صك إدانة"!

كتبت بديعة زيدان:

ضمن محور "جيل يكتب العالم بطريقته"، شهد "الصالون الثقافي"، في إطار فعاليات الدورة السابعة والخمسين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، أول من أمس، ندوة بعنوان "كتابة الذات في الرواية الحديثة".
وأدارت الندوة الكاتبة المصرية سمر علي، بمشاركة نخبة من الروائيات العربيات، هن: اللبنانية حنين الصايغ، والعُمانية ليلى عبد الله، والروائيتان المصريتان نهلة كرم وضحى صلاح.
وافتتحت علي الندوة بالإشارة إلى إشكالية التلقي، معتبرة أن كتابة الذات في مجتمعاتنا العربية عادة ما تُستقبل بوصفها "اتهاماً"، حيث يغيب في وعي القارئ الحد الفاصل بين الذاتي والمتخيل، ما يضع الكاتبة في موضع مساءلة دائمة.
وفتحت الندوة ملفات شائكة تتعلق بسلطة المجتمع على قلم الكاتبة، والحدود الفاصلة بين الواقع والمتخيل في سرديات المرأة، وسط انتقادات حادة للمجتمعات العربية التي تتعامل مع النص الأدبي وكأنه اعتراف شخصي، وليس عملاً إبداعياً.
في مداخلتها، شددت الروائية اللبنانية حنين الصايغ على أن ثمة ازدواجية واضحة في المعايير، موضحة أنه بينما يُمنح الرجل "صك براءة" عند كتابة تجاربه الشخصية، تُعامل كتابات المرأة بوصفها "وثائق إدانة"، مؤكدة على أن الأدب ليس ساحة لتصفية الحسابات أو تغيير الواقع الاجتماعي بالقوة، بل "مساحة للتأمل والتفاوض مع الذات".
ولفتت الصايغ إلى أنه لا توجد كتابة "غير ذاتية" في جوهرها، وإنما يكمن الاختلاف فقط في "الأسلوب" الفني المستخدم، مستشهدة بروايتها "ميثاق النساء" التي اعتمدت فيها أسلوب السرد الذاتي، بينما استخدمت في رواية "ثمرة النار" أسلوب "الراوي العليم"، ورغم ذلك تعتبر التجربتين كتابة ذاتية.
وأوضحت الصايغ أن أسلوب "السرد الذاتي" يسهل عملية تماهي القارئ مع الرواية، ما يدفع البعض للاعتقاد بأن الكاتبة تتحدث عن تجربتها الشخصية وحياتها الخاصة، مؤكدة أنها حاضرة في كل الشخصيات التي تكتبها، سواء في الروايات ذات السرد الذاتي أو تلك التي تعتمد تعدد الأصوات، ففي النهاية "كل الأصوات هي صوت الكاتب".
بدورها كشفت الروائية العُمانية ليلى عبد الله أنها كانت تتجنب "كتابة الذات" منذ دخولها عالم الكتابة، بسبب انتمائها لبيئة خليجية وعربية محافظة، مشيرة إلى ميلها الدائم لإخفاء شخصيتها الحقيقية بين السطور واللجوء إلى الغموض، لدرجة أن القراء والمقربين منها كانوا يخبرونها دائماً بأنهم لا يجدون أثرها الشخصي في كتاباتها.
واستعرضت عبد الله تجربتها في روايتها الأولى "دفاتر فارو"، حيث اختارت بطلاً من بيئة مختلفة تماماً (شاب صومالي)، ورغم توظيفها لبيئة خليجية، فإنها تعمدت أن تكون الشخصية بعيدة كل البعد عنها لمنع القارئ من العثور على "ذات الكاتبة"، فيما ألمحت إلى أن روايتها الثانية، قيد الكتابة، شهدت تحولاً، حيث تضمنت "الكثير من الذاتية" لكن بطريقة مختلفة، معتبرة ذلك نوعاً من التغيير.
من جهتها، تحدثت الروائية المصرية ضحى صلاح عن البعد النفسي في التلقي، مشيرة إلى أن القارئ العربي يصر على اعتبار كتابة المرأة نقلاً حرفياً لوقائع حدثت بحذافيرها، مُرجعة ذلك إلى تصالح المجتمع مع وصم المرأة بالهشاشة.
وترى صلاح أنه لا توجد كتابة "غير ذاتية" إلا في العلوم البحتة مثل الكيمياء والفيزياء، بينما حتى التاريخ الذي يكتبه "المنتصر" يحمل صبغة ذاتية، مؤكدة أن أعمالها مستمدة من تجاربها الخاصة، مثل تجربة فقدان والدها في إحدى رواياتها، وتجربتها مع الاكتئاب في رواية أخرى.
وأكدت أنه حتى عند كتابة "الفانتازيا"، فإنها تجد نفسها في الشخصيات، مؤكدة أن أي كاتب يمتلك شعوراً لا يمكنه الانفصال عن شخوص رواياته، حتى "الشريرة" منها.
أما الروائية المصرية نهلة كرم، فكشفت أنها تضطر لقول: "هذه رواية وليست حياتي" في الندوات عادة، أو في ردودها على أسئلة الصحافيين، لكن الحقيقة أن "ذاتية الشخص" موجودة في كل الشخصيات، موضحة أن الذاتية تتسرب بين الشخصيات المختلفة في الرواية، حتى لو كان الراوي رجلاً، لدرجة تغيب فيها الحدود بين ما هو ذاتي وما هو متخيل.
وانتقدت كرم الكتابة التي تحاول عمداً الابتعاد عن عالم الكاتب وذاته لمجرد أن يقال عنه "كاتب مختلف"، واصفة إياها بأنها كتابة "مصنوعة ودون روح".