تاريخ النشر: 25 كانون الثاني 2026

إنعام كجه جي: "قميص مخضّب" من فلسطين ونافذة على كواليس صحافية لا تصدّق

 

كتبت بديعة زيدان:

 

احتضن معرض القاهرة الدولي للكتاب، أول من أمس، وضمن محور "كتّاب وجوائز"، حوارية مع الروائية العراقية إنعام كجه جي، أدارها الكاتب الصحافي المصري سيد محمود، احتفاءً بمسيرتها الإبداعية في مجالَي الأدب والصحافة.
وكشفت كجه جي أن أولى قصصها كانت عن فلسطين، وتناولت حكاية شاب عراقي شارك في حرب العام 1967، في إطار رمزي ووطني، لافتة إلى أنها كانت بعنوان "قميص مخضّب"، وتتناول تحول نظرة فتاة لشاب كان يحبها؛ فبعد أن كانت غير مهتمة به، تبدلت مشاعرها إثر عودته من فلسطين عقب مشاركته في حرب العام 1967 بقميص عسكري مخضّب بالدماء، احتفظت والدته به كرمز لتضحيته.
وشددت صاحبة "الحفيدة الأميركية"، و"طشاري"، و"النبيذة"، وغيرها، على أنها لا "تخترع" الشخصيات بل تلتقط المفارقات من الواقع وتعيد صياغتها بلغة ومشاهد بسيطة، واصفة نفسها بأنها ليست "مجهبذة" (عبقرية) بل ناقلة للواقع بذكاء فني، ففي هذه القصة تشرح كيف يمكن للحدث السياسي الكبير أن يعيد تشكيل العلاقات العاطفية والاجتماعية من منظور إنساني بحت.
وأوضحت أنها تختار شخصيات رواياتها بعناية شديدة، وتغوص في تفاصيل حيواتهم، معتمدة في كثير من أعمالها على شخصيات حقيقية تعيد تشكيلها أدبياً مع تغيير الأسماء، كاشفة من خلالها وقائع وأحداثاً.
ودار الحديث حول تجربة كجه جي في الكتابة، وعلاقتها بالواقع والسياسة، وتحديداً حول كتاباتها باللغة الفرنسية وقصصها القصيرة، من بينها مجموعة تضم نصوصاً لكاتبات عراقيات عن الحرب والحصار، ولم يكن عملاً سياسياً مباشراً بل إنسانياً، لافتاً إلى أن العنوان الأصلي الذي اختارته صحافية فرنسية كان بعنوان "نساء ضد صدام"، ما أثار قلقها حينها بسبب سطوة النظام، رغم أن النصوص لم تكن سياسية مباشرة بل كانت تعبيراً عن الفقد والضيق، مؤكدة أنها لم تكن تدعي البطولة أو المعارضة الصريحة في ذلك الوقت، بل كانت نصوصها تنقل "الحقيقة المستترة" ومعاناة النساء من فقدان الأزواج والأبناء والوضع الاقتصادي المتردي.
ولفتت الروائية العراقية إلى أن واقع بلادها "ممل ومضجر"، وأن المزج بين الواقع والخيال، مع لغة ترفع النص، هو ما يمنح العمل بعده الأدبي، خاصة أن ما جرى في العراق يفوق الخيال ذاته، مؤكدة أن الوضوح والبساطة في الكتابة لا ينتقصان من قيمتها، بل على العكس، مشيرة إلى أن التعقيد الذي ساد في ستينيات القرن الماضي أفسد أجيالاً عدّة.
وتحدثت كجه جي عن أهمية دور الصحافي والكاتب في توثيق الشخصيات المغمورة والحِرف الشعبية، خاصة تلك المهددة بالاندثار، مؤكدة أن إهمال هذا التوثيق يعني ضياع تجارب إنسانية كاملة تُدفن مع أصحابها، معربة عن شغفها بتسجيل حكايات البسطاء، كون الكتابة مسؤولية أخلاقية تجاه الذاكرة الإنسانية.
وشددت على أنها "ليست كاتبة فضائح"، موضحة أنه لو أرادت الخوض في دهاليز الصحافة العربية والعالمية لكشفت وقائع "لا تُصدّق"، مستشهدة بحكايات عايشتها بنفسها، من بينها قصة صحيفة كانت تجمع تبرعات بحجة إرسال عمال فقراء لأداء فريضة الحج، بينما استولى رئيس تحريرها على الأموال.
وكشفت إنعام كجه جي أنها عملت بالصحافة في العراق لسبع سنوات، ما بين العامين 1970 و1977، وتحديداً في جريدة "الثورة"، الناطقة باسم حزب البعث العربي الاشتراكي، آنذاك، بحيث تحدثت عن تعرضها لأزمة بسبب تغطية صحافية تضمنت أغنية ذات دلالات سياسية، ما تسبب في اتهامها بالانتماء إلى الحزب الشيوعي، قبل أن يتدخل مدير التحرير في ذلك الوقت لحل الأزمة.
وأكدت أن الأزمات الصحافية تتشابه في كل دول العالم، وأن الصحافي عادة ما يتم التعاطي معه باعتباره "مُسبباً للمشاكل"، واصفة "صحافة الفضائح" بغير ذات جدوى.
وانتقلت كجه جي للحديث عن تجربتها في "صحافة المهجر" بباريس، كاشفة عن كواليس العمل الصحافي العربي في الخارج وتقاطعاته مع السياسة، ولافتة إلى أنها لو بقيت في العراق لما تسنت لها فرصة الالتقاء بتنوع عالمي واسع، واصفة باريس بأنها كانت المكان الذي تحول فيه الزملاء من مختلف الجنسيات، وخاصة، العربية إلى "أهل" يتزاورون ويلعب أطفالهم معاً، مستشهدة بمقولة الصحافي المغربي باهي محمد بأن "باريس هي قلب العروبة النابض".
وأوضحت أن المكاتب الصحافية لم تكن بمنأى عن التوترات السياسية؛ فكانت المشاحنات (بين السوريين واللبنانيين، أو الفلسطينيين واللبنانيين) تطفو على السطح تزامناً مع أحداث كاجتياح لبنان، واصفة تجربة صحافة المهجر بالهشة، لكون استمرار الوسيلة الإعلامية مرتبطاً بالموقف السياسي للممول؛ فبمجرد تغير الموقف السياسي، تسقط.
وروت كجه جي بمرارة كيف أن إحدى المجلات التي عملت بها وضعت غلافاً بعنوان "لبّيك يا صدام" عند اجتياحه للكويت، ثم في العدد التالي مباشرة نشرت شتائم ضده، وكيف تم استدعاؤها من قبل صاحب المجلة التي كانت تعمل بها، ليخبرها بإنهاء عملها، ليس لتقصير منها، بل لأن موقف المجلة أصبح "ضد العراق"، وخوفاً من أن يتعرض أهلها في العراق للأذى بسبب عملها في مجلة باتت تعادي النظام، آنذاك.