
كتبت بديعة زيدان:
شهدت القاعات الرئيسية لمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، مساء أول من أمس، انطلاقة قوية للفعاليات الثقافية تزامناً مع فتح الأبواب للجمهور في اليوم الأول.
وتصدرت ندوة "النجيب محفوظ" المشهد كأبرز أحداث اليوم، والتي تأتي تتويجاً لاحتفاء المعرض هذا العام بأديب نوبل العالمي، عبر استحضار مشروعه، وسط حضور لافت من قراء ومحبي الأدب، بحيث انطلقت الندوة بمشاركة كل من الناقد المصري د. محمد البدوي، والناقد والباحث المغربي د. سعيد يقطين، والناقد السعودي د. معجب العدواني، لتناقش الإرث السردي والفكري لنجيب محفوظ، حيث ركزت المداخلات القيمة على استعادته ليس فقط كروائي، بل كمشروع ثقافي متكامل لا يزال قادراً على طرح الأسئلة الراهنة.
يأتي تخصيص هذه الندوة، التي أدارها الناقد والإعلامي المصري د. خالد عاشور، في اليوم الأول، ليس فقط لتكريس الاحتفاء به شخصية المعرض لهذا العام، بل كرسالة دالة على مركزية محفوظ في الهوية الثقافية لهذه الدورة.
وتجاوز الناقد محمد البدوي في مداخلته السرد التاريخي التقليدي إلى تحليل "ظاهرة" نجيب محفوظ وعلاقته المعقدة باللغة والمجتمع، فقد أكد أن نجيب محفوظ كان كاتباً "كلاسيكياً" بالمعنى التاريخي، لكنه كان "دائم الانقلاب على نفسه"، موضحاً أن قارئ "همس الجنون" لا يصدق أن الكاتب نفسه هو مؤلف "الثلاثية"، وقارئ "الثلاثية".. لا يصدق أنه كاتب "اللص والكلاب"، ما يدل على تجديده المستمر لأدواته.
وأشار البدوي إلى المهمة العسيرة التي تصدى لها محفوظ، وهي الكتابة في مجتمع "لم تكن لغته العربية قد تعلمت بعد أن تنطق رواية" أو تتكلم السرد الحديث، متحدثاً عن نجاح في تأسيس لغة جديدة تقع بين الفصحى والعامية، جاعلاً اللغة العربية قادرة على استيعاب الحياة اليومية والتناقضات الإنسانية.
واعتبر البدوي رواية "أولاد حارتنا" لحظة فارقة حوّلت محفوظ من "كاتب" إلى "الروائي" بأل التعريف، واصفاً الرواية بأنها إعادة كتابة لتاريخ البشرية عبر "أنبياء اجتماعيين"، ومحاولة لكشف التناقضات الوجودية.
وكشف أن محفوظ تخلى عن بعثة دراسة الفلسفة في فرنسا ليختار الأدب، إيماناً منه بأن الرواية هي التي تلتقط المنطقة "البينية" بين الفلسفي والاجتماعي، واصفاً جائزة نوبل بأنها كانت "مكافأة نهاية خدمة"، وأن قيمتها الحقيقية كانت في إجبار العالم على الاعتراف بالأدب العربي الحديث.
وقدم الناقد المغربي د. سعيد يقطين رؤية نقدية ومنهجية مختلفة، حيث ركز على "بنيوية" مشروع نجيب محفوظ وموقعه في الأدب العالمي، بدأها بالتأكيد على أن نجيب محفوظ يجب أن يُقرأ كما نقرأ "كلاسيكيات الأدب العالمي"، موضحاً أن مصطلح "كلاسيكي" هنا ليس شتيمة أو دلالة على القدم، بل يعني "النص المتجدد" الذي يمنحنا معاني جديدة في كل مرة نعيد قراءته، وهو نص عابر للأزمنة.
وأشار يقطين إلى أن محفوظ حوّل الرواية إلى "سِجل" للهوية العربية، تماماً كما كان الشعر قديماً ديوان العرب، وأن الرواية عنده ليست مجرد حكي، بل وثيقة تحفظ التاريخ والواقع والتحولات الاجتماعية، ودون هذا "السجل المحفوظي" تفقد الثقافة العربية جزءاً من ذاكرتها.
وأكد يقطين أن محفوظ لم يكن يكتب روايات بشكل عشوائي، بل كان يمتلك "مشروعاً سردياً" متكاملاً وواعياً، وشبهه بـ"مهندس العصر" أو "مؤرخ العصر"، حيث امتلك رؤية فلسفية للكون وللمجتمع، سعى لترجمتها عبر مراحل كتابته المختلفة، من التاريخية إلى الواقعية إلى الرمزية.
بدوره، قدم الناقد السعودي د. معجب العدواني مداخلة نقدية مغايرة للسائد، حيث تبنى منهج "النقد الثقافي" لتفكيك القراءات التقليدية لأدب نجيب محفوظ، مهاجماً ما سمّاه "تنميط" الشخصيات وتحويلها إلى رموز سياسية على حساب إنسانيتها.
وشنّ العدواني هجوماً نقدياً على القراءة الشائعة التي تختزل الشخصيات النسائية في روايات محفوظ، خاصة "زهرة" في "ميرامار"، باعتبارها رمزاً لمصر أو الأرض، ورأى أن هذا التفسير الرمزي هو "جناية" على النص وعلى الشخصية؛ لأنه يجرد "زهرة" من معاناتها الإنسانية كفتاة ريفية فقيرة، هاربة من قهر أسري، وتبحث عن لقمة العيش والتعليم، عوضاً عن النظر إلى شخصيات "ميرامار" الذكورية كرموز لتيارات سياسية (الوفدي، والشيوعي، والإخواني)، حيث قرأهم العدواني كتمثيلات لطبقة "الأفندية" أو المثقفين الذين يمارسون استعلاءً طبقياً واستغلالاً جسدياً ومادياً للفتاة الريفية البسيطة، مشيراً إلى أن الرواية تفضح "ذكورية" المثقف الذي يدعي الدفاع عن المبادئ الكبرى بينما يطحن الفئات المهمشة في الواقع.
ودعا العدواني إلى إعادة قراءة محفوظ بعيداً عن "المركزية السياسية"، والتركيز بدلاً من ذلك على "الأنساق الثقافية" المضمرة، مثل اضطهاد المرأة، والطبقية، وتهميش الريف لصالح المدينة، معتبراً أن عظمة محفوظ ليست في الرموز السياسية المباشرة، بل في قدرته على رصد "الألم البشري" وصراع الضعفاء ضد منظومات القهر الاجتماعي.