تاريخ النشر: 20 كانون الثاني 2026

"يحدث في البيوت": ما تخفيه الجدران المُحصّنة

كتبت بديعة زيدان:

تأتي رواية "يحدث في البيوت" لعباد يحيى، والصادرة حديثاً عن منشورات "المتوسط" في إيطاليا، لتضيف مدماكاً جديداً في مشروعه الروائي الذي يتخذ من "رام الله" مركزاً، لا بوصفها جغرافيا فحسب، بل كحالة فلسطينية مكثفة ومعقدة، فالرواية ليست مجرد سرد لأحداث تاريخية، بل هي حفر في "الداخل" الفلسطيني، داخل البيوت، وداخل النفوس، في مواجهة "الخارج" الصاخب بالحروب والنكبات.
تفتتح الرواية بـ "تنويه" يذكر قضية تاريخية حقيقية وقعت في العام 1969، عُرفت باسم "فتيات السموم" (معتقلات اتهمتهن إسرائيل بتسميم مشروبات)، ثم يختم الكاتب التنويه بجملة حاسمة: "هذه الرواية ليست عن تلك القضية".
هذا التنويه يمارس لعبة "النفي المثبت"؛ فهو يستدعي التاريخ بقوة ليوهم القارئ أنه سيبتعد عنه، بينما هو في الحقيقة يؤسس لأجواء الرواية.
إنه يقول للقارئ: "لا تبحث عن التوثيق التاريخي المباشر، بل ابحث عما هو أعمق"، أو ربما يشير إلى أن القصص "التي لا تُروى" (ما يحدث في البيوت) هي الموازية والمكملة لتلك القصص الكبرى المشهورة، فهذا "التنويه المخادع" هو تقنية فنية لإزاحة عبء "الرواية التاريخية" التقليدية، مانحاً السارد حرية الحركة في مساحات التخييل والرمزية.
تدور الرواية حول خطين زمنيين وشخصيتين رئيستين تتقاطعان في لحظة مفصلية (حرب 1967): أولهما "هالة"، وتبدأ حكايتها من نكبة 1948، لكن ليس كلاجئة تقليدية، فهي تهرب ليلة زفافها القسري وسط القصف، هاربة من "خلاص أمها" المزعوم (الزواج للسترة)، هروبها هو رفض لكونها "موضوعاً" يقرر الآخرون مصيره، أما وصولها لرام الله واختباؤها في "الجمعية" ثم في بيت المحامي "شكري"، وحصولها على جواز سفر مزور، فيمثل "ولادة ثانية" لها، حيث تختار أن تكون "لا أحد" لتنجو، وتتحول من ضحية للنكبة إلى سيدة غامضة تصنع قدرها بيدها، فيما الشخصية الثانية هي الراوي (الشاب/الخطاط)، ويمثل جيل النكسة (1967)، وهو شاب من المخيم، يشعر بـ"الفقر البراني والغنى الجواني"، دخوله منزل "هالة" صدفة أثناء منع التجول في حرب 67 وبقاؤه هناك خمسة أيام يشكل حدثاً مفصلياً يغير حياته.
الرواية تناقش فكرة أن الأحداث الكبرى (الحروب) تُغير الجغرافيا، لكن "ما يحدث في البيوت" هو الذي يغير المصائر الفردية.
"البيت" هنا ليس مجرد مأوى، بل هو الحصن الذي يُعاد فيه تشكيل الهوية بعيداً عن أعين المجتمع والاحتلال.
من أعمق ما طرحته الرواية هو التمييز القاسي بين "اللاجئ" و"النازح"، فالراوي يفكك هذه الثنائية بمرارة حين يتحدث عن أبيه الذي خرج في العام 1967 إلى الأردن.
"النازح أقل بطولة وأسطورية، وأقل رثاء ورمزية.. النازح أقل بريقاً".
الرواية تشير بذكاء إلى أن "اللجوء" (1948) اكتسب قداسة وتراجيديا، بينما "النزوح" (1967) بدا كأنه فعل هروب أو يأس، ما خلق أزمة هوية لمن فقد صفة "اللاجئ" ليصبح مجرد "نازح" منسي، وهذه التفاتة نقدية نادرة في الأدب الفلسطيني الذي غالباً ما يوحد الألم.
وفي تحليل لشخصيات يمكن الإشارة إلى أن "هالة" ليست مجرد امرأة، بل هي "فلسطين الناجية" التي ترفض البكائيات.
هي الشخصية التي قطعت صلتها بالماضي (الأهل، القرية) لتعيش الحاضر، قوتها تكمن في "النسيان" وإعادة التأسيس، نقيضاً للذاكرة الفلسطينية التقليدية القائمة على التذكر.
ويمثل المحامي شكري أبو جابر "رام الله البرجوازية"، والقانون، والحماية التي تشرعن الوجود الهش، فهو الغطاء الذي احتمت به هالة لتصبح مرئية وذات مكانة.
الراوي (الشاب)، يمثل الوعي الشقي، فهو المراقب، الممتلئ من الداخل والفارغ من الخارج.
تعلمه للخط العربي عند "الخطاط راغب" يرمز للبحث عن النظام والجمال وسط فوضى الاحتلال والقبح، فيما يرمز الخطاط راغب لكل من يمثل الحرفة، والانعزال عن السياسي لصالح الفني، ومحاولة الحفاظ على قواعد الخط في زمن بلا قواعد.
"رام الله" في الرواية هي مدينة التناقضات؛ هي "الملاذ" لهالة، و"المنفى" للشاب القادم من المخيم، تظهر رام الله كمدينة "تنام مبكرة وتصحو متأخرة"، مدينة تخفي أسرارها خلف الأبواب المغلقة والجدران الحجرية.
الرواية ترسم خريطة دقيقة لرام الله (ميدان المغتربين، وشارع السهل، ورام الله التحتا)، جاعلة من المكان بطلاً يشارك في التستر على الشخصيات أو فضحها، كما تبرز التباين بين "المخيم" (مكان المؤقت والفقر) وبين "الدار" (بيت المحامي، والقصور الحجرية) التي تمثل الثبات والسلطة.
تتنقل الرواية برشاقة بين زمنين (48 و67 وما بعدهما) وبين صوتين (هالة والراوي)، ما يمنح القارئ رؤية بانورامية لنفس الحدث من زوايا مختلفة، فيما استخدمت "الخط" كمعادل موضوعي للحياة، حيث الحديث عن "الميلان"، و"الحبر"، و"الورق" يوازي الحديث عن المصير البشري، فالخط يحتاج "ضبطاً" كما تحتاج الحياة في ظل الاحتلال.
لغة عباد يحيى تتميز بالحسية العالية (رائحة الأحبار، وبرودة الحجر، وملمس القماش)، كما أنه التفت للغة المحتل، واصفاً "العامية الركيكة" للجنود الإسرائيليين بأنها "كلمات مربعة تسقط من الفم" بلا إيقاع، في نقد لغوي سياسي لافت.
يحسب للرواية الجرأة في الطرح، حيث كسر تابو "القداسة" في التعامل مع النكبة والنكسة، وطرح أسئلة وجودية حول الفردية مقابل الجماعة، علاوة على العمق النفسي، عبر الغوص في دواخل الشخصيات (خاصة هالة)، بعيداً عن التنميط البطولي، بالإضافة إلى التوظيف المتقن للتاريخ، عبر استحضاره كخلفية للأحداث الشخصية وليس كهدف بحد ذاته.
وقد يؤخذ على الرواية لقاء الراوي بهالة تحديداً واختباؤه في بيتها، والذي قد يبدو مصادفة روائية "مريحة" لربط الخيوط، رغم أن الكاتب بررها بفوضى الحرب، كما أنه استطرد وأطال في بعض المواضع، خاصة في وصف تقنيات الخط أو تفاصيل عمل الجمعية، ما قد يشعر القارئ ببطء في وتيرة السرد، وإن كان هذا يخدم بناء العوالم الداخلية للشخصيات.
"يحدث في البيوت" رواية تؤكد أن التاريخ الفلسطيني ليس كتلة واحدة صماء، بل هو ملايين الحكايات الهشة التي تحدث خلف الأبواب المغلقة، حيث يحاول الأفراد النجاة بأرواحهم وأسمائهم من طاحونة الأحداث الكبرى.