
كتبت بديعة زيدان:
احتفى منتدى شومان الثقافي، التابع لمؤسسة عبد الحميد شومان في العاصمة الأردنية عمّان، بالروائي والشاعر الفلسطيني إبراهيم نصر الله، في فعالية تكريمية خاصة جاءت لمناسبة فوزه بجائزة "نيوستاد" الأدبية العالمية، تتويجا لمسيرة إبداعية طويلة ومتفردة في الرواية والشعر والفنون البصرية.
الفعالية، التي أدارتها الأكاديمية والأديبة الأردنية د. ليديا راشد، مساء أول من أمس، تحوّلت إلى جلسة ثقافية عميقة ناقشت مشروع نصر الله الإبداعي من زواياه الجمالية والفكرية والإنسانية، ووضعت الجائزة في سياقها الثقافي العالمي بوصفها اعترافا دوليا بقيمة هذا المشروع وأثره.
في مداخلته، عبّر إبراهيم نصر الله عن أن فوزه بجائزة "نيوستاد" لا يخصّه بوصفه كاتبا فردا فحسب، بل يطال السردية الفلسطينية ذاتها، مؤكدا أن الكتابة كانت، ولا تزال، وسيلته لمواجهة المحو، وحفظ الذاكرة، والانتصار للحياة في وجه القهر. وأشار إلى أن مشروعه الروائي، وخاصة "الملهاة الفلسطينية"، لم يُكتب بوصفه تأريخاً سياسياً مباشراً، بل باعتباره حكاية البشر داخل العاصفة، حيث تتقاطع اليوميات الصغيرة مع التحولات الكبرى.
وتوقّف نصر الله عند علاقة الأدب بالحرية، معتبراً أن الكاتب لا يستطيع أن ينجز نصاً حقيقياً إذا كان أسير القوالب الجاهزة أو الخطابات المسبقة، مشدداً على أن الرواية، حين تكون صادقة، قادرة على بلوغ العالمي انطلاقاً من المحلي والإنساني.
في مداخلته، تناول الناقد والأكاديمي السعودي معجب الزهراني المسار الإبداعي لإبراهيم نصر الله بوصفه مشروعاً متكاملاً، لا يمكن اختزاله في جنس أدبي واحد، مشيراً إلى أن نصر الله نجح في بناء عالم روائي واسع، تتجاور فيه الرواية مع الشعر، واللغة مع الصورة، دون أن يفقد النص تماسكه أو عمقه.
واعتبر الزهراني أن جائزة "نيوستاد" جاءت اعترافاً بهذا التراكم الإبداعي، وبقدرة نصر الله على تحويل التجربة الفلسطينية إلى سرد إنساني مفتوح على الكونية.
أما الناقدة والأكاديمية الأردنية د. رزان إبراهيم، فقد ركّزت في مداخلتها على "البعد الذاكروي" في أعمال نصر الله، معتبرة أن الرواية لديه ليست فقط أداة للحكي، بل مساحة لإعادة بناء الذاكرة الجماعية خارج القوالب التقريرية.
وأشارت إبراهيم إلى أن نصوصه تشتغل على تفكيك التاريخ الرسمي، وإعادة الاعتبار للأصوات المهمّشة، من خلال لغة تجمع بين الحساسية الشعرية والوعي النقدي.
وتوقّف الأكاديمي والباحث الأردني د. زياد الزعبي عند دلالة جائزة "نيوستاد" نفسها، بوصفها جائزة ذات تاريخ طويل في تكريم الأصوات الأدبية العالمية المؤثرة، مشيراً إلى أن فوز إبراهيم نصر الله بها يضع الأدب العربي، والفلسطيني تحديداً، في موقع متقدم على خريطة السرد العالمي.
واعتبر الزعبي أن هذا الفوز لا ينفصل عن التحولات التي يشهدها الأدب العالمي في انفتاحه على تجارب ما بعد الاستعمار، والسرديات القادمة من مناطق الصراع.
وكانت الرئيسة التنفيذية لمؤسسة عبد الحميد شومان، فالنتينا قسيسية، لفتت إلى أن "هذا اللقاء لحظة مضيئة من اعتراف بأهمية الكتابة، يتقدم فيها النص من الهامش إلى المركز، وترتفع فيها الكلمة العربية لتصافح العالم بثقة وجمال".
ونوهت قسيسية إلى أن "نيوستاد" التي نالها نصر الله، مؤخراً، هي اعتراف العالم بالكلمة والإبداع العربيين، وشهادة ثقة على مشروعنا الحضاري العربي، فهي لا تكرم نصر الله، وحده، بل تفتح نافذة واسعة للأدب العربي، وتقول للعالم: "هنا لغة عربية حالمة تحمل إرث قرون من المعنى".