
كتب محمد الجمل:
تواصل "الأيام" رصد مشاهد جديدة من قطاع غزة، مع قرب إنهاء التهدئة شهرها الثالث وما زالت في مرحلتها الأولى، خاصة في ظل استمرار خروقات الاحتلال للاتفاق، ومعاناة النازحين، واستمرار تقسيم القطاع، ومحاولة فرض وقائع جديدة.
ومن بين المشاهد الجديدة، التي رصدتها "الأيام"، مشهد يرصد استمرار انهيار المباني المتداعية في القطاع، ومشهد آخر بعنوان "تقليص مستمر لمساحة قطاع غزة"، ومشهد ثالث يرصد مخاطر وتداعيات الشلل الذي أصاب سوق العمل.
الانهيارات تتواصل وخطر المباني المتداعية يزداد
لا يزال خطر البنايات المتداعية يصنف على أنه الخطر الأكبر الذي يواجه النازحين في القطاع، مع استمرار انهيار المزيد منها بصفة مستمرة.
وتتزايد مخاطر الانهيار الفوري والمميت على السكان، خاصة مع الأمطار الشديدة، ما يؤدي إلى سقوط ضحايا وتشريد المزيد من المواطنين، في ظل تدمير واسع للبنية التحتية وصعوبة الحصول على مأوى بديل آمن، وتفاقم الأزمة الإنسانية مع غياب مواد البناء والخيام، وتزايد الحاجة لعمليات إنقاذ وإخلاء عاجلة للمباني المتصدعة التي تحولت إلى مقابر للسكان.
وكانت آخر الفجائع ما حدث، أول من أمس، في مخيم المغازي وسط القطاع، حيث انهارت بناية كانت قد تعرضت للقصف السابق، وهي مكونة من عدة طبقات وتعود ملكيتها لعائلة "الشنا"، حيث جرى انتشال جثمانَي شهيدين من تحت أنقاض المنزل، وما زالت طواقم الدفاع المدني تبحث عن مفقودين أسفلها.
وقال جهاز الدفاع المدني في المحافظة الوسطى: إن طواقمه تعاملت مع 5 إصابات، بينها حالات خطيرة، وتبحث عن مفقودين إثر انهيار عمارة سكنية (4 طوابق)، مبيناً أن العمارة كانت تضررت جراء قصف إسرائيلي سابق، وقد تعرضت لانهيار كامل جراء تأثير القصف الإسرائيلي المكثف الذي تشهده يومياً منطقة شرق مخيم المغازي والمناطق الشرقية لقطاع غزة.
وانهارت عشرات البنايات الآيلة للسقوط منذ بداية فصل الشتاء، والتي تعرضت للقصف خلال العدوان الإسرائيلي على غزة، وحصدت أرواح ما يزيد على 20 شخصاً.
وحذر محمود بصل، الناطق باسم الدفاع المدني، من أن الآلاف من المنازل، التي تعرضت للقصف الإسرائيلي جزئياً، قد تنهار في أي لحظة، ما يشكل تهديداً مباشراً على حياة مئات الآلاف من الفلسطينيين، ورغم المخاطر الجسيمة، اضطر بعض السكان للعودة إلى منازلهم المتضررة بحثاً عن مأوى، حيث إن الخيام توفر حماية أقل من البيوت المدمرة، خاصة في ظل الظروف المناخية القاسية.
وجاءت التحذيرات، من قبل الجهات المختصة، بأن العديد من المباني غير الآمنة قد تنهار في أي لحظة، ما يعرض حياة السكان للخطر، حيث أكدت منظمات دولية مثل الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر أن استمرار الإقامة في بيوت متداعية يشكل خطراً كبيراً على السكان.
تقليص مستمر لمساحة القطاع
يواصل جيش الاحتلال توسيع سيطرته بصورة تدريجية وبطيئة على مناطق جديدة في القطاع، ويجبر المزيد من العائلات على ترك محل إقامتها، والتوجه غرب القطاع.
وتسبب هذا الإجراء في زيادة حشر المواطنين في مناطق مكتظة سيئة الخدمات غرب ووسط القطاع، بينما مساحات شاسعة من القطاع خالية دون سكان، وتخضع للسيطرة الإسرائيلية.
من جهته، أكد رئيس شبكة المنظمات الأهلية، أمجد الشوا، أن مليوناً ونصف المليون من سكان القطاع فقدوا منازلهم، مؤكداً أن الأوضاع الإنسانية تزداد تعقيداً وخطورة، في ظل استمرار المنخفضات الجوية وتداعياتها القاسية على حياة السكان.
وأوضح الشوا أن العدوان الإسرائيلي دمّر أكثر من 85% من غزة، بما يشمل المباني والمنشآت والبنى التحتية وشبكات الصرف الصحي والمياه، مشيراً إلى أن إسرائيل تسيطر على نحو 59% من مساحة القطاع، ما يجبر نحو 2.2 مليون نسمة على العيش في مساحة لا تتجاوز 90 كيلومتراً مربعاً، في ظروف شديدة القسوة والاكتظاظ.
وأشار إلى أن أكثر من 60 مليون طن من الركام تنتشر في مختلف مناطق القطاع، إلى جانب وجود نحو 900 ألف طن من النفايات المنتشرة، في وقت تمنع فيه إسرائيل ترحيلها إلى خارج القطاع، منوهاً إلى أن الحصار الإسرائيلي يحول دون إدخال المعدات والآليات والمواد اللازمة للتعامل مع المنخفضات الجوية، خاصة الجرافات المطلوبة لإقامة السدود في مواجهة السيول القادمة من المناطق الشرقية الخاضعة لسيطرة إسرائيل باتجاه المناطق الساحلية غرب القطاع.
وأكد الشوا أن أكثر من مليون شخص يعيشون حالياً في خيام لا تمثل حلاً حقيقياً لأزمة الإيواء، إذ إن غالبية هذه الخيام مهترئة ومتضررة نتيجة طول فترة استخدامها وتعرضها المتكرر للظروف الجوية القاسية، فضلاً عن النقص الحاد في مستلزمات الإيواء، خاصة الأغطية والفرش والملابس الشتوية، في ظل غياب وسائل التدفئة.
وأضاف: إن المساعدات التي تدخل عبر المعابر لا ترقى إلى مستوى الكارثة الإنسانية، لا سيما مع استمرار المنخفضات الجوية وتفاقم انعدام الأمن الغذائي وأزمة المياه، موضحاً أن العدوان دمّر البنية التحتية لقطاع المياه، بما في ذلك الشبكات ومحطات التحلية والآبار، إلى جانب النقص الحاد في الوقود، ما أدى إلى تراجع كبير في كميات المياه المتاحة، وسط تحذيرات من لجوء السكان إلى مصادر مياه غير آمنة.
شلل سوق العمل
لا تزال الآثار الكارثية للحرب تتواصل، خاصة من الناحية الاقتصادية، حيث تدهور اقتصاد غزة بشكل حاد وغير مسبوق.
وفي واحدة من أخطر المنعطفات الاقتصادية في تاريخه، يواجه اقتصاد القطاع انهياراً شبه كامل في سوق العمل، حيث تجاوزت نسبة البطالة 77% خلال عام 2025، وفق بيانات رسمية، وهذا الرقم لا يعكس مجرد تراجع دوري، بل يشير إلى تحوّل البطالة من ظاهرة اجتماعية مؤقتة إلى أزمة هيكلية عميقة، نتيجة الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية وشلل القطاعات الإنتاجية الأساسية، ما أفقد عشرات الآلاف مصادر دخلهم دفعة واحدة.
ووفق ما أكده الباحث في الشأن الاقتصادي، أحمد أبو قمر، فإن الارتفاع الحاد في البطالة يتزامن مع انكماش اقتصادي غير مسبوق، إذ تشير التقديرات إلى انهيار الناتج المحلي الإجمالي في غزة بنسبة 84% مقارنة بعام 2023، واستمرار الانكماش خلال 2025 بنسبة إضافية بلغت 8.7%.
وأوضح أبو قمر أن هذا التراجع الحاد يعكس توقفاً شبه كامل لدورة الإنتاج، وانهيار قطاعات الإنشاءات والصناعة والزراعة والخدمات، إضافة إلى انخفاض ملحوظ في نسبة المشاركة بالقوى العاملة، نتيجة الإحباط الجماعي وانسحاب أعداد كبيرة من السكان من البحث عن عمل.
وتابع: لم تعد البطالة مؤشراً رقمياً فحسب، بل تحولت إلى عامل ضاغط يهدد الاستقرار المعيشي والاجتماعي، ويدفع المجتمع من منطق الإنتاج إلى الاعتماد شبه الكامل على المساعدات.
وأكد أبو قمر أنه مع استمرار تآكل القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار وغياب أي أفق لتعافٍ قريب، فإن أزمة البطالة في غزة تمثل اليوم الخطر الأكبر على مستقبل التنمية والاستقرار، ما لم تفتح مسارات حقيقية لإعادة الإعمار وتحريك عجلة الاقتصاد.
وجاء في بيان مشترك، صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء وسلطة النقد الفلسطينية، ضمن الحصاد الاقتصادي للعام 2025، أن البطالة في القطاع لم تعد ظاهرة اجتماعية مؤقتة، بل تحولت إلى أزمة هيكلية تهدّد الاستقرار المعيشي والاقتصادي للمجتمع بأسره.
وحسب البيانات الرسمية، تجاوز معدل البطالة في قطاع غزة 77% خلال عام 2025، في مؤشر يعكس الشلل شبه الكامل في سوق العمل.