تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفط في العالم، وتربطها علاقات وثيقة مع إيران، وعلاقات متنامية مع روسيا، وتزود الصين بنسبة كبيرة من احتياجاتها للطاقة، وهي أسباب كافية لفتح شهية ترامب لنهب ثروات البلاد، وقطع الطريق على خصومه الأقوياء في حربها التجارية معهم.
لكن محاولات هيمنة أميركا على فنزويلا لم تبدأ بالعملية الأمنية التي انتهت باعتقال الرئيس مادورو وزوجته قبل أيام، بدأت قبل ذلك بسنوات، مستغلة الأخطاء القاتلة التي اقترفها نظام فنزويلا، وأهمها: اعتماده على النفط مصدراً أساسياً ووحيداً؛ بحيث صار الركيزة الأساسية التي تعتمد عليها ميزانية الدولة، وبمجرد أن هبط سعره بدءا من العام 2014 حصل العجز تلقائياً، وقلت الواردات المالية للدولة، فتوقف وتعثر أغلب المشاريع والخطط والبرامج الوطنية، وعجزت الحكومة عن تأمين خدماتها الأساسية، وبدأت البلاد تعاني من تضخم رهيب، وارتفاع في الأسعار، وتدنٍ في الخدمات، وزادت معدلات البطالة وانتشر الفقر، ما تسبب بموجة اضطرابات سياسية واجتماعية وقلاقل وفوضى أمنية.
ولأنها تعتمد على النفط (اقتصاد ريعي) أدى العجز المالي إلى انخفاض حاد في القدرة على الاستيراد، الذي صار مكلفا؛ ما تسبب في نقص عدد كبير من السلع، وارتفاع أسعار السلع الموجودة.. هذا ثانياً، وهو مرتبط بالخطأ الثالث: فعندما كانت الدولة في حالة الرخاء (عهد تشافيز) مع ارتفاع سعر النفط وثباته عالمياً، وبسبب انشغالها بالبترول واستخراجه وصناعته وتصديره، واستسهال الحصول على الأموال بهذه الطريقة، انشغلت الدولة عن بقية القطاعات والمصادر الأخرى، وبدلاً من التركيز على الإنتاج الزراعي والصناعي فضلت الاستيراد، لسهولة الأمر وتوفر الأموال، وبالتالي تأخر التطور الاقتصادي والاجتماعي.
الخطأ الرابع: نتيجة إهمال الزراعة والتنمية الصناعية (بسبب تدفق الأموال النفطية)، لجأت الدولة إلى التركيز على المشاريع ذات الطابع الشكلي، والتي لا تتضمن محتوى تنموياً حقيقياً، الأمر الآخر، أدى تصدير النفط وتدفق المداخيل المالية إلى تدفق كبير للعملة الأجنبية، ما رفع قيمة عملة البلد، وبالتالي أصبح التصدير صعباً، وإذا قل التصدير يزيد الاستيراد (لضمان توفر السلع)، وهذا أضر بالصناعات المحلية، لأنها غدت عاجزة عن التصدير، وفي نفس الوقت عاجزة عن منافسة السلع والبضائع المستوردة؛ وهذا بالنتيجة أدى إلى تقويض وانهيار الصناعات الوطنية.
وميزة النفط أنه يستطيع إنتاج أموال كثيرة بأيدٍ عاملة قليلة، خلافاً لقطاعات الإنتاج الأخرى، التي تعطي أموالاً أقل، وتحتاج أيدي عاملة أكثر، ما يزيد من معدلات البطالة، ومن ناحية ثانية فإن استخراج النفط لا يحتاج مواد خام، أو خدمات من قطاعات أخرى، وبالتالي يقل أو ينعدم التبادل التجاري الداخلي، ما يعني عمالة أقل، وحركة اقتصادية أضعف.. ما يقلل من نشاط الدورة الاقتصادية.
الخطأ القاتل الخامس (وربما يكون الأهم) أن شركات النفط مملوكة للدولة (أو بالمحاصصة مع كبار الأثرياء)، ما أعطى النظام وحلفاءه حرية التصرف في العائدات المالية الهائلة، وهذه غالباً ما تكون مرتبطة بالفساد، وغياب العدالة الاجتماعية في توزيع العائدات. وهذه المشاكل يقع فيها أغلب الدول النفطية عموماً.
تلك الأخطاء لم تقتصر نتائجها على الاقتصاد والتنمية، بل امتدت لتؤثر سلباً على الحياة السياسية الداخلية والاجتماعية، فخلال السنوات العشر الأخيرة انكمش الاقتصاد بنحو 80%، وبسبب التضخم انهارت العملة، ومع تزايد آثار الحصار السلبية وبسبب انعدام الأمن واستشراء الفقر والفوضى تفاقمت الأزمات الداخلية، ما دفع بنحو 7 ملايين مواطن فنزويلي للهجرة، والفقراء الذين كانوا الحاضنة الشعبية للنظام باتوا ضحاياه، قوى المعارضة ورؤوس الأموال وجدت الفرصة السانحة، وتحالفت مع واشنطن، وهكذا انكشف النظام، وبات معزولاً وصارت اللقمة جاهزة.
رغم أن الإدارة الأميركية خططت للوصول إلى نتائج كهذه منذ سنوات، بالحصار والعقوبات والتآمر.. لكنها لم يكن لها أن تنجح لولا سلسلة أخطاء النظام القاتلة، ولولا الفساد والفوضى التي ضربت الدولة والمجتمع. وعندما اعتقلت رئيس الدولة، لم تصدر أي ردة فعل لا من الشعب ولا من الجيش.
مثل هذه الحالة ليست سابقة تاريخية، تكررت في العديد من الدول التي عاشت ظروفاً مشابهة واقترفت الأخطاء ذاتها، وتلك الدول تتشابه في العديد من السمات: نظام يأتي ثورياً وطنياً ثم يتحول إلى نظام عائلي، أو دكتاتورية، تحت شعارات مقاومة الإمبريالية وخلف الخطابات الإنشائية والشعبوية والتهديدات العنترية ينكّل النظام بالشعب ويكمم الأفواه، ويقصي الكفاءات، وتغتني الطبقة الحاكمة، وتتحول إلى عدو لشعبها، الذي سيطالب بالخلاص حتى لو بيد المحتل الأجنبي!
ليس شرطاً أن تتكرر تجربة ترامب مع مادورو بالاعتقال، يمكن اغتيال الرئيس جسدياً أو معنوياً، أو إسقاطه بالثورة المضادة (نظام مصدق في إيران سقط بحملة بروبوغاندا استهدفت الشعب، كلفت المخابرات الأميركية 800 ألف دولار فقط)، أو بالتآمر والتحالف مع مراكز قوى تدعمها وتشجعها على الانقلاب، أو تترك النظام يتهاوى من تلقاء نفسه، إلى أن تحين اللحظة الفارقة.
نجحت أميركا في مخططاتها سابقاً في العديد من الدول (العراق، سورية)، وفي أميركا اللاتينية (بنما، تشيلي، غرينادا..)، ومن الممكن أن تنجح في نظم مشابهة (إيران، نيكاراغوا، كوبا..).. عربدة وقرصنة وإرهاب دولة.. مقابل نظم يعم فيها الفساد والاستبداد والقمع وتغييب الحريات، وتسود فيها الشعارات والخطابات الشعبوية.
المجتمعات الحصينة يستحيل اختراقها.