
كتب محمد الجمل:
رصدت "الأيام" مجموعة جديدة من المشاهد من قلب القطاع في ظل استمرار المعاناة والعدوان، من بينها مشهد بعنوان "بيئة طاردة"، ومشهد آخر يوثق تفاقم مضاعفات الإصابات للناجين، ومشهد ثالث يُسلط الضوء على حرمان أطفال المخيمات من أبسط الحقوق.
بيئة طاردة
منذ بداية الحرب على القطاع، قبل أكثر من عامين، يعمل جيش الاحتلال على خلق بيئة طاردة للسكان في القطاع، يتم بموجبها دفع المواطنين للهجرة للخارج.
وعمل الاحتلال على هذا الأمر من خلال عدة مسارات متوازية، أهمها تدمير المنازل والبنية التحتية، وتعطيل أي محاولة للإعمار، ومنع وصول معدات الإيواء، خاصة في فصل الشتاء، ما يُشعر المواطنين بأنهم سيبقون في الخيام فترات طويلة، ويدفعهم للتفكير بالهجرة.
أما المسار الثاني، فيتمثل في فقد الأمن والاستقرار، حتى في ظل التهدئة، من خلال شن غارات وعمليات قصف تؤدي إلى سقوط شهداء، ودفع الناس للنزوح، والانتقال من مكان إلى آخر داخل القطاع، كما حدث مؤخراً شرق خان يونس.
أما المسار الثالث فهو التجويع والحصار، من خلال تكرار المجاعات، وإغلاق المعابر، ومنع توريد معدات الإيواء والإعمار، وجعل حياة الناس قاسية، يكابدون من أجل لقمة العيش وشربة الماء.
وبالتوازي مع المسارات الثلاثة المذكورة، عمل الاحتلال على الجانب النفسي، من خلال رسائل تصل للمواطنين حول عدم صلاحية القطاع للعيش، وتشجيع الهجرة، وإرسال روابط مجهولة للتسجيل للسفر.
ولم يخفِ قادة الاحتلال تشجيعهم لما يُسمى "تشجيع الهجرة الطوعية"، من أجل دفع سكان القطاع للهجرة وترك غزة.
لكن غالبية المواطنين من سكان القطاع أكدوا رفضهم وبشكل قاطع ترك القطاع، أو الهجرة، مؤكدين أن صمودهم لمدة عامين في ظل الحرب والنزوح سيجعلهم يصمدون عقوداً قادمة، ولن يهاجروا خارج القطاع.
وأكد المواطن محمد فرج أنه لن يكرر خطأ أجداده، حين تركوا فلسطين التاريخية وهاجروا إلى عدة مناطق منها غزة، والآن الاحتلال يسعى لهجرة أخرى، لكن هذه المرة خارج فلسطين، ومن يهاجر الآن لن يعود للقطاع مطلقاً، وفق اعتقاده.
وأشار إلى أنه قرر البقاء في القطاع، حتى لو قضى ما تبقى من عمره في خيمة، ولو كان ثمة خياران إما الموت أو الهجرة، فسيختار الموت، ولن يهاجر.
بينما أكد المواطن يوسف عطوة أن فكرة مغادرة غزة بلا عودة صعبة وغير مقبولة مطلقاً، فمن الممكن أن يسافر بغرض السياحة، أو أداء مناسك العمرة، أو زيارة أقارب، لكن يجب أن يعود للقطاع.
وأشار إلى أنه يتفهم ما يمر به البعض من ضيق، ورغبة بالخروج من جحيم الحرب وحياة الخيام، لكن عليهم التفكير جيداً بالتبعات، فالحياة في الدول المطروح أن يهاجر الغزيون إليها قاسية، ولا يبدو الأمر سهلاً، فالخروج من الوطن بلا عودة كنزع الروح من الجسد، وملايين اللاجئين في الخارج يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، والعيش فيه مهما كانت الظروف صعبة.
تفاقم مضاعفات المصابين
لا يزال عشرات الآلاف من الناجين من إصابات صعبة خلال أشهر العدوان الماضية يُعانون من مضاعفات وآثار الإصابات، ويتلقون علاجات لا تتوقف، وبعضهم باتت حياتهم على المحك جراء هذه الآثار.
وانقسمت مضاعفات الإصابات إلى ثلاثة أنواع، الأول التهابات جرثومية معقدة لا تشفى، بسبب وجود بكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية، سببها الصواريخ والقنابل الملوثة، والثاني إصابات بتر أو إعاقات أصحابها بحاجة لتأهيل، وهم يحتاجون متابعات وعلاجات طبية ونفسية طويلة الأمد، والثالث مضاعفات غير متوقعة نجمت عن الإصابات، أو العلاجات المكثفة التي يعاني منها المصابون.
ويقول المواطن حسن العمّاوي: إن شقيقه الأصغر أصيب بشظية كبيرة تسببت بتفتيت عظام ساقه، وفقد جزءاً من الأنسجة والخلايا، وكانت ساقه مهددة بالبتر من أسفل الركبة، وقد خضع لكورس علاجي مكثف في أحد المشافي العربية الميدانية في القطاع، أسهم في إنقاذ قدمه، لكن بعد مدة ظهرت مشكلات غير متوقعة، إذ أصيب شقيقه الشاب بارتفاع حاد في ضغط الدم، تبعته إصابته بمرض السكري، وأخيراً اكتشفوا لديه مشكلات في جدار القلب، وهو بحاجة لمتابعات طبية مكثفة غير متوفرة في القطاع، ونصحه الأطباء بضرورة السفر من أجل العلاج في الخارج، وهذا غير متوفر في الفترة الحالية.
وأكد أن شقيقه لا يزال يعاني منذ أكثر من عام ونصف العام من آثار الإصابة الصعبة، ولا يتوقف عن التوجه إلى المشافي وعيادات الرعاية الأولية، ويتناول الأدوية والعقاقير الطبية بشكل يومي، والأخيرة غير متوفرة دائماً في القطاع.
بينما قال الشاب أحمد صيام: إنه أصيب برصاصة متفجرة في قدمه منذ عدة أشهر، ومنذ ذلك اليوم يعاني من آثار التهابات لم تشفَ، رغم أنه خضع لأكثر من كورس علاج، لكنه حتى الآن يعاني.
وأكد أن الإصابة وصعوبتها في ناحية، ومضاعفاتها الخطيرة والقاسية في ناحية أخرى، ولا يعلم إن كان سيتعافى من تلك المشاكل، أو تؤدي هذه المضاعفات لفقده حياته في نهاية المطاف كما حدث مع الكثيرين من قبله.
يذكر أن نحو 19 ألف جريح بحاجة إلى تأهيل طويل الأمد، وهناك 4800 حالة بتر، 18% منهم أطفال، و1200 يعانون شللاً كاملاً، ونحو 1200 يعانون من فقدان لحاسة البصر.
حرمان أطفال المخيمات من أبسط الحقوق
بالإضافة إلى الخوف والجوع، وتحولهم لأهداف لقصف الطائرات والدبابات، لا يزال مئات الآلاف من الأطفال النازحين يعيشون ظروفاً قاسية، ويُحرمون من أبسط حقوقهم التي كفلتها القوانين الدولية.
ويعيش أكثر من مليون طفل نازح في القطاع حياة صعبة، وبعضهم تم الزج بهم في مهن شاقة وقاسية، وغالبيتهم حرموا من حقهم في اللعب، أو العيش بأمان، أو حتى المسكن الملائم، عدا حرمانهم من الطعام، والتعليم، والصحة.
ويقول الأب فؤاد صلاح: إنه يشعر بأن أطفاله الثلاثة وباقي أطفال غزة يعيشون في أسوأ وضع يمكن تخيله، بعد أن فقدوا كل حقوقهم التي كفلتها القوانين الدولية، فحتى الحق في الحياة بات مهدداً، جراء القصف الذي يتعرضون له، وكذلك بسبب المجاعة ونتائجها الكارثية، والبرد القارس.
وأكد صلاح أنه يحاول أن يوفر لأطفاله بعض الحقوق التي صادرها الاحتلال، من خلال توفير بيئة ملائمة، عبر تجهيز الخيمة بأفضل ما يمكن، وأن يوفر لهم ما استطاع من طعام، ويصحبهم لمناطق جديدة، ليمارسوا الحد الأدنى من حقهم في اللعب.
وأشار صلاح إلى أن كل العالم مشارك في ظلم أطفال غزة، فالجميع يرون كيف تنتهك حقوقهم، ويقتلون بشكل يومي، ويُجوعون، ويحرمون من التعليم، لكن لا أحد يُحرك ساكناً، والجميع حتى مؤسسات الأمم المتحدة تكتفي ببيانات شجب واستنكار خجولة، مؤكداً لو أن ما يحدث في غزة حدث في أي مكان في العالم لقامت الدنيا ولم تقعد.
بينما قال المواطن إبراهيم زهدي: إن ما يحدث هو تدمير ممنهج ومقصود لجيل كامل، فمن ينجُ من القصف والمجاعة سيواجه مستقبلاً قاتماً، بعد تدمير غزة، والقضاء على فرص الحياة فيها.
وأكد زهدي أن تبعات الحرب الكارثية ستلاحق هذا الجيل لعقود طويلة، ليس فقط على صعيد التعليم، والمسكن والصحة، بل على الصعيد النفسي، فكثير من الأطفال ممن عاشوا ويلات الحرب سيعانون أزمات ومشاكل نفسية كبيرة، وسيحتاجون لتأهيل نفسي خاص.
ووفق آخر الإحصاءات الرسمية، فإن عدد الأطفال الشهداء منذ بدء العدوان وصل إلى 19000 من إجمالي عدد الشهداء البالغ أكثر من 71 ألفاً، أي حوالى ثلث الشهداء.