تاريخ النشر: 31 كانون الثاني 2026


آراء
لـيـس عـشـوائـيـاً
الكاتب: عمرو الشوبكي

لا يتحرك الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشكل عشوائي، حتى لو تبدو خصاله عشوائية، كما أن خططه التي نوقشت جيداً من قوى وأطراف عدة ضمت مراكز للفكر وخبراء في السياسة وقيادات تقع في أقصى اليمين ولم تجد «أحسن من ترامب» لتنفيذها.
إن خطة ترامب لغزة ومجلس السلام الدولي نظرت للواقع كأنه رقعة شطرنج، فهو يعرف جيداً مَن يمتلك وزيراً وطابية وحصاناً، ومَن يمتلك فقط جنوداً مبعثرين حول الملك، وأطلق مبادراته للمنطقة والعالم على هذا الأساس، فهو ليس رجل مبادئ، ولم يؤمن بحقوق الشعب الفلسطيني والقانون والعدالة، ورغم ذلك أوقف الحرب (جزئياً)، ثم أسس مجلساً دولياً للسلام، ضم بعض السياسيين وكثيراً من رجال الأعمال، وأعلنت ٣٥ دولة، منها دول عربية، الانضمام إليه، وحمل بشائر هدم نظام دولي ومؤسسات دولية غير فاعلة، لكنها نظرياً دافعت عن قيمة الشرعية القانونية، ووجدت في دول العالم شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً مَن يدافع عن هذه المبادئ، حتى لو لم تحترمها أميركا وإسرائيل.
والحقيقة أن ترامب تحرك في غزة كما تحرك في أوكرانيا وباغت الجميع بخططه، فهناك خطة ترامب ذات الـ٢٠ نقطة في غزة، وهناك خطته ذات الـ ٢٨ نقطة في أوكرانيا، ونجح في الأولى وأوقف بشكل غير كامل الحرب، ولم ينجح في الثانية بعد رغم المفاوضات المكثفة التي يجريها مع طرفي الصراع وداعميهما وتأكيده أنه سيُنهي الحرب قريباً.
خطة ترامب لغزة لم تكن عشوائية، إنما عرفت نقاط القوة والضعف لدى كل جانب، فلم تطالب إسرائيل بالتزامات تتعلق بمنظومة حكمها السياسية والقانونية، أو باحترام الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة (لأن أميركا لا تحترمها أيضاً)، إنما فقط تعمل على ضمان التزامها بالخطة الأميركية، أما الجانب الفلسطيني صاحب الحق التاريخي والأخلاقي في الأرض وفي بناء دولته المستقلة، فإنه نتيجة الانقسام الفلسطيني والموت والدمار الذي لحق بقطاع غزة، وإضعاف حماس عسكرياً وسياسياً فإنها انحازت للقوة الإسرائيلية واختبرت «الجدارة الفلسطينية» في الإدارة والحكم ولم تكتفِ باستبعاد حماس من المشهد السياسي والعسكري.
لن تُجدي كثيراً مناقشة خطة ترامب «بالينبغيات» وشعارات رفض انحيازها لإسرائيل لأنها بعيدة عن تفكيره، فهو رجل «بزنس» وصفقات وعلاقات قوة وأوراق ضغط يزن بها علاقاته الدولية وحجم كل دولة وتأثيرها الحقيقي، والمطلوب تغيير أوراق قوتنا على الساحة الدولية حتى نؤثر في خطط ترامب.
لن تتقدم القضية الفلسطينية إلا إذا انتهى الانقسام الفلسطيني وأظهر الـ ١٥ عضواً في الإدارة الوطنية الفلسطينية برئاسة على شعث جدارةً في الإنجاز والإدارة، وظهرت «حماس» جديدة سياسية ومدنية وجددت السلطة الفلسطينية بنيتَها بالجراحة وليس المسكّنات، وتحركت القوى الفاعلة في العالم العربي بجدية وصلابة حتى تغير ولو جانباً من تحيزات ترامب أو حتى لتدافع عن نفسها.