تاريخ النشر: 18 كانون الثاني 2026


آراء
قراءة قانون الانتخابات المحلية من المنظور النسوي
الكاتب: ريما كتانة نزال

سيَّل قانون الانتخابات المحلية رقم 23 لسنة 2025 كثيراً من الحبر، ليس بوصفه قانوناً إجرائياً ينظم عملية انتخابية فحسب، بل لأنه يفتح سلسلة من الإشكالات السياسية والدستورية والمجتمعية، تمسّ جوهر الحق في المشاركة والتمثيل. فمن النظام الانتخابي المختلط، إلى شرط الترشح السياسي، مروراً برسوم التسجيل والتأمين، ووصولاً إلى تمثيل النساء، يظهر استخدام القانون كأحد أدوات الإقصاء وهندسة المشاركة وتضييقها.
وفي البعد النسوي ليست كل أشكال الإقصاء صريحة، ولا كل أشكال التمييز مكتوبة في النصوص. أحياناً، تُقصى النساء لا لأن القانون يمنعهن، بل لأن تصميمه يفترض واقعاً اجتماعياً لا يملكن فيه شروط المنافسة المتكافئة أو يعيق عملية التغيير الاجتماعي ويؤخرها!
في النقاش الدائر حول قانون انتخابات هيئات الحكم المحلي، يبرز سؤال جوهري: هل يكفي رفع نسبة تمثيل المرأة في محصلة النسب المتفاوتة إلى 27% لضمان المشاركة العادلة، بينما المعيار والمسطرة المعتمدان يستندان إلى حجم وعدد وموقع الهيئة المحلية؟ بينما البديل العادل والجاهز يقضي باعتماد نسبة موحدة لجميع الهيئات المحلية بصرف النظر عن موقعها وعدد سكانها وتصنيفها، كي لا ننشئ تمييزاً جديداً بين امرأة وأخرى بناء على معايير نمطية تكرس المساواة وتعيد إنتاجها!
وفي النقاش الدائر، يظهر التناقض بين القرار المتخذ من الحكومة في الجلسة 64 تاريخ 6/10/2025 تبنت بموجبه كوتا للمرأة بنسبة 30% التي تم إعلانها من قبل رئيس الحكومة في خطابه الخاص باليوم الوطني للمرأة السادس والعشرين من تشرين الأول الماضي، لنتفاجأ بأن الحكومة ذاتها تناقض ذاتها بإعادة إنتاج نسبة أدنى من قرارها في تنسيبها لقانون الانتخابات المحلية، الذي يُضعف مصداقية الالتزامات الحكومية تجاه النساء والتمكين السياسي، ويحوّل الكوتا من أداة تصحيح بنيوي إلى شعار انتقائي يُستخدم حيناً ويُقضم حيناً ويُستبعد حيناً آخر.
أحد أكثر الجوانب إشكالية في القانون المعتمد للانتخابات المحلية يكمن في اعتماد نظام التمثيل النسبي مع القائمة المفتوحة، الذي ينشئ تنافساً مركباً مع القوائم الأخرى ومن داخل القائمة، خالقاً مناخات من عدم الثقة والشكوك قبل العملية الانتخابية، ما يفتح المجال لتأجيج التنافس وانعكاساته المحتملة على السلم الأهلي، وهي عوامل تدفع النساء إلى الابتعاد والانسحاب، لأن أيّ نظام انتخابي يؤجج الخلاف الداخلي ويهدد بالانقسام يُسهم في تحميل النساء كلفة اجتماعية تدفعها إلى النأي بالنفس عنها، كونهن الأكثر تأثراً بتداعيات الانقسام والتوتر في المجتمع المحلي.
الإقصاء سيظهر بسبب ارتفاع رسوم التسجيل والتأمين البالغ قيمتها 1500 دينار، فالرسوم مهما اختلفت مسمياتها ليست إجراءً إدارياً، بل تُشكّل حاجزاً فعلياً أمام مشاركة النساء في الهيئات المحلية على وجه الخصوص، حيث الفجوة الاقتصادية بين النساء والرجال واسعة، هذه الكلفة لا تقاس بالمبلغ الواقعي فقط بل بأثرها التمييزي؛ لأنها تُقصي النساء المستقلات والشباب والقوائم المدنية غير المدعومة مالياً، والأسوأ أنها تحوّل حق الترشح من حق مُتاح للجميع بموجب القوانين إلى امتياز خاص مرتبط بالقدرة المالية، وبدل أن تكون الانتخابات المحلية بوابة الانخراط الأوسع للنساء في الحياة العامة تصبح حاجزاً إضافياً أمام مشاركتهن، وتجعل من يملك المال قادراً على المشاركة العامة، ويصبح الإقصاء تلقائياً، دون نص قانوني.
وبشكل عام، إقصاء النساء ليس بالضرورة أن يأتي من خلال النصوص الواضحة فقط، بل بوساطة منظومة كاملة من الشروط غير المتكافئة: القدرة المالية، الحضور العائلي، النفوذ الاجتماعي، والخطاب الانتخابي العدائي. ومع انتقال الصراع من مرحلة تشكيل القوائم إلى مرحلة الفرز الداخلي للأصوات بناء على القانون، تحصل النساء بسبب النظام النسبي والقائمة المفتوحة على أصوات محدودة تضعف من مكانة الناجحات عدا إعاقة عملية التغيير الاجتماعي.
في القراءة النسوية، لا تُقاس الديمقراطية بالنص المكتوب، بل بقدرة النص على فتح المجال العام أمام الفئات المُسْتبعدة تاريخياً عن المشاركة العامة والسياسية، خاصة النساء، لأن القوانين الانتخابية لا تُقاس بالمعلن بل بالنتائج، وفي حال تراكمت الأعباء المالية والسياسية في القانون كما يجري مع القانون الحالي، فإنها كفيلة بهدم فكرة المشاركة وتقويضها.
في المحصلة، الإصلاح القانوني الحقيقي المنشود هو الإصلاح الذي ينطلق من رؤية وطنية شاملة، الإصلاح القانوني الذي يطرح في توقيت مناسب ويخرج من حوار جامع لتعزيز التعددية السياسية والاجتماعية، ويحمي السلم الأهلي ويضمن المشاركة الحقيقية للنساء والشباب بعيداً عن التجميل السطحي، لأن فلسطين تعيش في لحظة وطنية حرجة تحتاج فيها إلى توسيع دوائر المشاركة، وتفكيك دوائر الإقصاء والتفرد، واستبدالها بالإرادة السياسية العازمة على مشاركة النساء والشباب، ولا تضع الحواجز الإضافية أمامهم.