«مذاقات الموت والركام: الحرب على غزة» رواية من غزة للقاص والروائي عبد الله تايه صدرت في فترة الحرب عن الحرب، وبذلك يتطابق الزمنان الكتابي والروائي، بل وأيضاً زمن السرد.
وكان قسمان منها نشرا في كتابين أصدرهما عاطف أبو سيف، الأول «كتابة خلف الخطوط: يوميات الحرب على غزة»، وفيه نشر عبد الله «مذاقات الموت والركام» [- ج٣ ص ٧٥ إلى ص ٨٥» (٢٠٢٤)] وهي يوميات كتبها في «اليوم الواحد بعد المئة لما يسمى الحرب»، والثاني «استعادات مقلقة: يوميات غزة»، وفيه نشر «رسالة من الحرب إلى غريب عسقلاني» مكتوبة في ٤ حزيران ٢٠٢٤ [الكتاب الأول ص ٢٥٣ - ٢٥٧ (٢٠٢٥ )].
تجري أحداث الرواية في قطاع غزة ويقص أنا المتكلم الذي يعيش تجربة الحرب نازحاً من شمال غزة إلى مدينة دير البلح التي عرفها وتردد من قبل عليها، يقص حكايات الحرب ويرى أنها «ليست مجرد قتل للأبرياء وتهجيرهم عنوة، ولكنها قتل للإنسانية حين لا يعترف القاتل بحقوق الغير».
إنها استمرار قتل قابيل لأخيه هابيل، على الرغم من أن الثاني لم يبسط يده للقتل.
وتجنيسها على أنها رواية يعد تجاوزاً، فحجمها هو حجم النوفيلا/ القصة الطويلة، ولولا الحرب وأجواؤها، التي تجمع شتات الحكايات لكانت أقرب إلى القصص القصيرة والنصوص النثرية التي يتخذ أحدها شكل الرسالة «رسالة إلى غريب عسقلاني/ إبراهيم الزنط»، وفيها يعلمه بما ألم بأهل قطاع غزة، ويقول له إنه استراح فلم يرَ ما لحق بالنساء، ويستطرد في وصف معاناتهن.
تتشكل الرواية - وأكرر تجاوزاً - من عناوين يتصدرها العنوان «المدينة الهادئة» وفيه يحكي السارد عن دير البلح تاريخياً وعلاقته بها، ويليه العنوان «مذاقات الموت والركام» ويقع في أحد عشر مقطعاً تتصدرها الأرقام من 1 - 11، وفيها يسرد حكاية الرحيل من الشمال والإقامة في دير البلح، ويأتي على وسائل التنقل متذكراً ما كتبه الكاتب جميل السلحوت عن حماره، فقد غدا الحمار في الحرب وسيلة الركوب وقدم لأهل قطاع غزة خدمة كبيرة.
كانت الحياة جحيماً لا يطاق يصحو الناس على صوت الزنانة وينامون كذلك وينتظرون هدنة ما، فثمة نقص في المواد الغذائية التي ارتفعت أسعارها في مدينة صغيرة اكتظت بالبشر.
ويسرد بقية الرواية تحت عناوين يمكن أن يقرأ أكثرها منفصلاً، فهو مكتفٍ بذاته: حكاية/ الحرب على غزة/ المقهى والصبي الصغير/ رسالة من الحرب إلى غريب عسقلاني/ إلى الأسلاك الشائكة/ فنجان في مدينة النزوح/ لماذا فعلت ما فعلت/ مقهى في زمن الحرب/ سردية الحياة والموت.
ما أدرج تحت عنوان «حكاية» يحكي عن إسماعيل أبو محمود الذي هاجر أهله في نكبة ١٩٤٨ من «عاقر» وأقاموا في مخيم جباليا، ثم زار معهم بيته الذي سكنته عائلة يهودية عراقية قدمت من البصرة، بل وعمل في البيت ومرة أخذ يبحث عن ذهب خبأته جدته في الجدار، فانتبهت إليه سارة التي تحن إلى بلدها.
حكاية تشبه الحكاية التي كتب عنها إميل حبيبي في «المتشائل» ١٩٧٤، والحكاية التي كتب عنها إلياس خوري في «باب الشمس» ١٩٩٨.
وقد تكون فضيلة الرواية أنها شهادة من داخل غزة عن الحرب فيها كتبت في ظروف صعبة قلقة تبدو الكتابة فيها ضرباً من الضرورة التي لا تكترث بالجماليات إلا قليلاً.
من الرواية نقرأ:
«تمر الأيام، تزداد جداول وأرقام عَدِّ الضحايا،....، يلجأ مزيدٌ من الناس إلى الخيام، يعيشون حياة بائسة...؛ لا طعام، ولا ماء، ولا كهرباء، ولا طرق، ولا صرف صحي، ولا مواد تنظيف، ولا أدوية، ولا أمان، ولا مواصلات سوى الأقدام وعربات الكارو،.... وتنتشر الروائح الكريهة....، ومع كل صوت زنانة، أو هدير طائرة، أو صرخة مدفع، يسقط مزيدٌ من الأبرياء....، تنتشر الأمراض والأوبئة،....، وتزداد فظاعة القتل، والقصف، والموت، ويأتي جيش من المحللين، والساسة، والكذابين، وكل كلامهم لا يروي عطش طفل، ولا يداوي جراح مصاب، ولا يملأ معدة جائع.
يكذب الساسة،.....، تُرك الناس لأقدارهم،.....، يسكنهم الهمُّ والشقاء، وتصبح الحكاية نوع المساعدات لا وقف الحرب،......
انقطع عمل الناس وذهبت بيوتهم، ومدخراتهم، وأحباؤهم، تحرقهم القنابل....، والشمس فوق الخيام، ونقص في كل شيء، ونفاد كل مصدر للحياة، ينتظرون بشارة أمل لوقف الحرب، ترى أين عمر؟ وسعيد؟ وبقية أولاد الحارة؟.... من منهم لا يزال على قيد الحياة؟ ومن منهم طار مع دخان القصف؟ وحين يأتي سؤال السماء من ذا الذي سيجرؤ على الإجابة؟ فسواء متنا في الحرب، أو بقينا بعد الحرب، سيظلُّ موج البحر في غزة يعلن استمرار الحياة، وستنادي ملائكة بيض الثياب في كل ليلة على من دُفنوا على استعجال، أو دفنوا أشلاءً، فيستيقظون من نومهم، يجلسون في حلقة كبيرة وواسعة جداً، يلفهم نور سماوي، وتهبُّ عليهم نسمات باردة معطَّرة، فترتسم على وجوههم ابتسامات الحياة، ويملؤهم النور بالسكينة والرضا. أما عمر وسعيد ومن ظل حيَّا من أولاد الحارة فسيلبسون ملابس البحر المزركشة، ويغطسون في بحر غزة فتغسل أوجاعهم موجة بعد موجة، وضحكاتهم ستملأ الأرض والسماء».