تاريخ النشر: 30 آذار 2021


آراء
عن النسوية البيضاء
الكاتب: عبير بشير

هناك من يعتقد بأن وصول أنجيلا ميركل إلى موقع المستشارية، يعد النموذج الملهم لصعود المرأة إلى قمة هرم السلطة في الغرب، ناهيك من الوزيرات والنائبات والسفيرات في مختلف الدّول الأوروبية. هذه هي تماماً النسوية البيضاء.
وركز مصطلح «النسوية البيضاء»، منذ بداياته على القضايا المتعلقة بالنساء البيض المتعلمات من الطبقة الوسطى. وعلى الاهتمام على «الجنوسة»، ونظر إليه على أنه المستهدف من الثقافة الأبوية - الذكورية، في حين أن كثيرا من النساء خارج المجال الغربي يعانين ليس فقط لأنهن إناث، إنما أيضاً لأنهن مهمشات عرقياً، أو طبقياً، أو ثقافياً، أو مذهبياً، أو قبلياً، أو أسرياً، لأن مشكلة الجنس الأنثوي، بخاصة في المجتمعات التقليدية، تندرج في سياق مشاكل كثيرة لا تقل أهمية عن المشاكل التي تثيرها النسوية البيضاء، إن لم تكن أكثر تأثيراً في حياة المرأة ومصيرها، لأن النسق المهيمن في العلاقات الاجتماعية نسق إقطاعي - أبوي يقوم على مبدأ الطاعة والخضوع، ويحكمه التراتب الفئوي، والطبقي، والجنسي، والمذهبي، والقبلي. وفي تلك المجتمعات الأبوية يتصاعد دور الأب الرمزي من الأسرة، وذلك يحول دون تحقيق الشراكة التعاقدية في الحقوق والواجبات بين الجنسين، وبخاصة أن المجتمعات التقليدية تعتصم بهوية لا تعرف التحول، ولا تقر به، وتقدس سرداً خيالياً مفعماً بالتمركز عن نفسها وماضيها.
وتعرف سارة غامبل في كتابها «النسوية وما بعد النسوية»، بأنها: «حركة سعت إلى تغيير المواقف من المرأة كامرأة قبل تغيير الظروف القائمة وما تتعرض له النساء من إجحاف كمواطنات على المستويات القانونية والحقوقية في العمل والعلم والتشارك في السلطة السياسية والمدنية». ومرت النسوية البيضاء بمرحلة أولى: هي موجة المطالبة بحقوق التعليم والعمل وحقوق المرأة البيضاء بحق الاقتراع، ويؤرخ لهذه الموجة من ظهور كتاب ماري ولستون كروفت «دفاعا عن حقوق النساء» في 1792، وقد حاولت هذه الموجة التصدي لكل الأفكار السلبية عن المرأة في التراث اليهودي والمسيحي، وكون المرأة أصل الخطيئة، كما ناقشت صورة المرأة في أعمال ومواقف العديد من المفكرين والفلاسفة الغربيين.
أما الموجة النسوية الثانية: والتي تؤرخ بدايتها من بداية نشاطات الحركة النسوية الممتدة بين 1960 وحتى نهايات القرن العشرين، وفي هذه المرحلة بدأت الحركة النسوية تأخذ طابعا عالميا يشمل المرأة في جميع أنحاء العالم، ومن جميع الأعراق والأقليات، واعتمدت لغة التحرر من القمع السياسي والاجتماعي والجنسي، حيث ركزت الموجة الثانية على إعادة تشكيل الصورة الثقافية للأنوثة بما يسمح للمرأة من الوصول إلى النضوج واكتمال الذات.
إذاً، وبطبيعة الحال، ليس مفهوم «النسوية البيضاء» حديث الولادة، لكن الصحافية الأميركية كوا بيك تضع المسألة في سياق نص قريب من الثقافة اليومية، ومن خلال تجربتها الصحافية، تتساءل عن أي نوع من النساء هي النسوية البيضاء؟.
وفي كتابها الجديد «النسوية البيضاء»، شنت كوا هجوما لاذعا على الحركة النسوية بالغرب، إذ تفكك ارتباطها الطبقي والعرقي بالمنظومة البطريركية القائمة، وتدعو النّساء المتمتعات بالامتيازات لإعادة نظر جذرية فيما انتهت إليه حركتهن، فهي بالنسبة لكوا بيك أقرب لعلامة تجارية أخرى من ترسانة أسلحة الرأسماليّة موجهة حصراً لاستقطاب هوى مجموعة مستهلكات من النساء الغربيات ذوات البشرة البيضاء، المرتاحات اقتصادياً السّاعيات لإثبات وجودهّن، وتحقيق ذواتهن الفرديّة.
مفهوم «النسوية البيضاء» عند بيك يتجاوز كثيراً حدود الغلاف الفضي للحركة النسوية في الغرب، لتكون عندها بمثابة أيديولوجيا تامّة يمكن تتبّع نشأتها وتطوّرها عبر تاريخ الحركة النسوية في الغرب الأنغلوفوني. وتبشر هذه الأيديولوجيا بأهمية النّجاح الفردي للمرأة، وتصور المساواة، وإمكان أن تحققها النساء أساساً من خلال نجاحهن الشخصي المهني، وفرض وجودهن في هيكليات المؤسسات القائمة حصراً، ولو كان ذلك يتضمّن بحكم الواقع الموضوعي استغلال النساء الأخريات والفئات المهمّشة من المجتمع. فالغاية من «النسويّة البيضاء» ليست تغيير المنظومات المتقاطعة على اضطهاد المرأة - النظام البطريركي والرأسمالي والعنصري والاستعماري - بل النجاح من داخل تلك المنظومات تحديداً، وفي إطارها، وتكريساً لنفوذها. بل التبشير بالخلاص الذاتي للنساء البيضاوات داخل تلك النظم، وفي إطارها وكجزء لا يتجزأ من ديمومتها وأدواتها القمعية.
إذاً، هي أيديولوجيا استبعادية في الأساس كما تقول كوا، ولا تكتفي بمنع النّساء من خارج دائرة الامتياز كنساء السكان الأصليين، والأفرو - أميركيات السود، والمهاجرات، والنساء الفقيرات من التمتع بفوائد أي مكتسبات نسوية، بل تقبل تجنيدهن بطريقة أخرى لخدمة البيضاوات، ومنعهن من تحقيق وهم المساواة مع نظرائهن البيض، بصفتهن خادمات ومساعدات وأجيرات بلا حقوق، وبأدنى سعر بالسوق.
وبصفة كوا أميركية ذات أصول مختلطة، اكتشفت تلك الأيديولوجيا المسمومة من خلال تجربة شخصيّة بعدما وجدت الأبواب مفتوحة لها للعمل مع بيوتات الصحافة الكبرى في الولايات المتحدة على أساس هويتها الجنسانية والعرقيّة حصراً وكجزء من كوتا التنويع الشكلي المحض الذي درجت المُؤسسات الغربيّة على استعراضه في السنوات الأخيرة عبر فرض كوتا لضمّ عدد محدود من أبناء الأقليّات العرقيّة إلى صفوفها.
لكنّها سرعان ما وجدت أسواراً خفيّة تكبّل عملها كلّما أرادت طرح قضايا حول حقوق عاملات المنازل مثلاً أو كيف تعاني الأمهات العازبات من الفقر، أو كيف يتضاعف عدد النساء المسجونات من الطبقات المهمشة لتجد دائماً من يخبرها بأنّ تلك قضايا عرقيّة أو طبقية أو اقتصادية لا نسوية، ولتنهي دائماً إلى الاصطدام بنوع من جدار مصمت، فلم تكن تعني هذه القضايا شيئا بالنسبة لملفات المؤسسات الإعلامية الغربية.
ومع ذلك، تقول بيك، إن هذه الأيديولوجية الاستبعادية ليست بالضرورة حكراً على النساء البيضاوات وحدهن، بل هي بحكم هيمنة الثقافة البرجوازيّة على العمل الإعلامي في الغرب وأن كثيرات من خلفيات عرقية وإثنية أخرى يشترين - كما البيضاوات - وعود الحركة النسويّة البيضاء، معتقدات بإخلاص أنهن إذا عملن بجد بما فيه الكفاية في خدمة النظام الرأسمالي، فقد يتمكنّ من جني مكافآتها المزعومة مساواة وثراء واعترافاً من الآخر. لكنّهنّ لا يدركن أنهن قد ينتهين ضحايا لصعود طامحات من نموذج مادلين أولبرايت التي لم تجد ما يشين في تبرير إبادة نصف مليون طفل عراقي بأنّه ثمن لا بأس بدفعه لتحقيق الأهداف السياسيّة للغزو الأميركي، ونجاحها الذاتي المهني كوزيرة خارجيّة، أو قد يُقبلن في الخلفيّة كخادمات لأداء الأعمال المنزليّة تمكيناً لنجاح النساء البيضاوات في مكان العمل أو بحد أقصى لملء كوتا تنوّع مجوّفة.
كتاب بيك دعوة صريحة - ومزعجة أحياناً – إلى النساء المستمتعات بامتيازاتهن الطبقيّة والعرقيّة للنزول من أبراجهن، والعمل مع الإطار الأوسع من النساء على فكفكة هذه الأيديولوجيا النسويّة البيضاء المزيفة لمصلحة بناء حركة جديدة أكثر شمولاً، تناضل من أجل جميع حقوق المرأة، التي هي حتماً حقوق إنسانيّة، وتكون أكثر اتساقاً في اصطفافاتها مع حقيقة الصراع ضد النظام القائم.