تعكس الأفعال الرسمية وغير الرسمية الإسرائيلية وتصريحات متواترة بشكل غير مسبوق منذ اندلاع الحرب في غزة قبل عامين ونصف تقريباً مخططاً إسرائيلياً متكاملاً بحق الفلسطينيين، سواء في الضفة أو غزة، وبحق القضية الفلسطينية برمتها.
من خلال تتبع تلك الأفعال، والتصريحات، التي تعكس النوايا يحاول هذا المقال كشف الستار عن المخطط الإسرائيلي المتكامل تجاه الفلسطينيين في المرحلة الحالية.
في ظل تصاعد الأزمة الداخلية الإسرائيلية، المرتبطة بالميزانية وقانون الإعفاء من الخدمة العسكرية، وتهديد الأحزاب في حكومة نتنياهو الائتلافية بإسقاط الحكومة، يحارب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لضمان بقاء ائتلافه. وحسب نتنياهو فإن «آخر ما تحتاجه إسرائيل في هذه المرحلة هو إجراء انتخابات“، معتبراً أن إسرائيل تمر بمرحلة “حساسة واستثنائية”، وهناك حاجة في هذه المرحلة إلى الاستقرار السياسي، وليس إلى انتخابات مبكرة. إذا لم يتم تمرير الميزانية أو تم حل الكنيست، فستُجرى الانتخابات في وقت سابق لما هو مقرر لها. بموجب القانون الإسرائيلي، ستجرى الانتخابات بحلول نهاية شهر تشرين الأول من العام الجاري. ويحاول نتنياهو توفير الظروف التي تضمن بقاءه في منصبه. ويستكمل نتنياهو حروباً متعددة الجبهات، خصوصاً مع لبنان، مواصلاً تهديدها لنزع سلاح حزب الله، ومع إيران، معتبراً أن إسرائيل لن تسمح لها بإعادة ترتيب صفوفها، ومع الفلسطينيين الذين يخوض معهم معركة مفتوحة في غزة والضفة، وهو محور تركيز المقال.
يقترب مشروع قانون إسرائيلي لإعدام الفلسطينيين من الإقرار، في ظل زيادة ضخمة في عدد عمليات القتل غير القانونية بحق الفلسطينيين، منذ شهر تشرين الأول من العام ٢٠٢٣، سواء كانت في غزة التي تعدت حدود الاستيعاب، أو في الضفة التي تجاوزت مثيلاتها في أي وقت أو مرحلة سابقة، أو في زنازين الاحتلال، التي باتت ترقى لمستوى الظاهرة، وكلها جرائم ترقى لمستوى الإبادة الجماعية والإعدام خارج نطاق القانون، مع إفلات تام من المساءلة والمحاسبة والعقاب. ويعكس ذلك استهتاراً متصاعداً بحياة الفلسطينيين، في ظل مقاربة متكاملة الأركان تستهدف القضية الفلسطينية برمتها.
بعد إقرار القراءة الأولى لتعديل جديد على قانون العقوبات الإسرائيلي، يُلزم المحاكم الإسرائيلية بفرض عقوبة الإعدام على الأفراد المدانين بقتل إسرائيلي «عمداً أو بتهور»، وصل المشروع حالياً إلى قراءتيه الثانية والثالثة، دون تحديد موعد للتصويت النهائي عليه. ويسمح التعديل إن أُقر بفرض أحكام الإعدام دون طلب من النائب العام، حيث ستُجرى المحاكمات أمام قضاة عسكريين، ويسمح بإعدام الأسرى الفلسطينيين شنقاً، سواء كانوا مدنيين أو عسكريين، في غضون ٩٠ يومًا من صدور الحكم النهائي. ويحظر تخفيف أو استئناف أو إلغاء الحكم بعد صدوره. ووفقًا للمشروع تُفرض عقوبة الإعدام على كل من يقتل يهوديًا «لمجرد كونه يهوديًا»، وعلى كل من يتورط في التخطيط وليس المنفذ فقط. إن ذلك يقتصر تطبيقه على الفلسطينيين فقط دون الإسرائيليين اليهود، ما يُعزز ازدواجية النظام القانوني الإسرائيلي القائم على التمييز القومي. في الضفة الغربية المحتلة، يُحاكم الفلسطينيون أمام المحاكم العسكرية الإسرائيلية، بينما يمثل المستوطنون اليهود في نفس الأراضي للقانون المدني الإسرائيلي. تحظر جميع المعاهدات الدولية عقوبة الإعدام، بما فيها التي توقع عليها إسرائيل، لأنها أقصى أشكال العقاب قسوةً وإنكاراً للحق في الحياة، ناهيك عن استخدامها بشكل تمييزي بين الفلسطيني واليهودي. إن ذلك التصعيد في تنفيذ هذا القانون يأتي بعد سنوات طويلة من محاولات إرساء ثقافة الحكم بالقتل الميداني لأي مقاوم فلسطيني، في حالة مستدامة، من الاحتلال الطويل، يرسّخ تلك الحالة، ويقنّنها، في ترسيخ لاستهتار كبير بمنظومة القيم العالمية.
سجل انتهاء أزمة المحتجزين في غزة، بعدم عودة آخر جثمان، إغلاق المرحلة الأولى من خطة الرئيس دونالد ترامب لوقف إطلاق النار في غزة، والذي أعلن الأسبوع الماضي عن بدء المرحلة الثانية من الخطة. تهدف المرحلة الجديدة وفق تلك الخطة إلى ترتيب شكل الحكم المستقبلي في القطاع وإعادة إعماره. من ناحيته، أكد بنيامين نتنياهو أن الانتقال لإعادة إعمار غزة مرهون بنزع سلاحها، مخيّراً بين طريقين، إما عبر الطريق الأسهل، طواعية، أو الأصعب، بالقوة، في ظل تأكيدات نتنياهو إن إسرائيل لن تسمح للسلطة الفلسطينية بالتواجد في غزة، وستحتفظ إسرائيل بسيطرة أمنية كاملة في المنطقة الممتدة “من نهر الأردن إلى البحر”، بما يشمل قطاع غزة، معتبراً أن هذه السيطرة تشكل ضمانة للأمن الإسرائيلي في المرحلة المقبلة. وتقترن تلك التصريحات بتشديد نتنياهو على عدم السماح لقيام دولة فلسطينية.
تربط حكومة الاحتلال بدء عمليات الإعمار تلك بضرورة عرض خطط لنزع السلاح من غزة، وتنظيم مسألة تمويل عمليات الإعمار تلك، حيث صرحت في وقت سابق بأنها لن تشارك في عملية تمويلها أو تنفيذها، في تجاهل متعمد لتحمّلها مسؤولية تدمير القطاع. بالتوازي، استكملت قوات الاحتلال خلال الشهرين الماضيين تفريغ الأرض في جنوب قطاع غزة، وواصلت أعمال إزالة الأنقاض والمخلفات خصوصاً في منطقة شرق رفح. وفي تموز الماضي، أكد يسرائيل كاتس وزير الدفاع الإسرائيلي بأنه أمر القوات بتجهيز مخيم في رفح لإيواء سكان غزة. يأتي ذلك في ظل حديث عن تخطيط إسرائيل لإقامة مخيم كبير للفلسطينيين جنوب قطاع غزة، مزود بتقنيات مراقبة حساسة، دون تجاهل تصريحات إسرائيل برغبتها ضمان مغادرة أكبر عدد من الفلسطينيين لغزة. فقد أكد نتنياهو مؤخراً فيما يتعلق بمعبر رفح، أن المعبر «سيفتح في كلا الاتجاهين“، مشدداً على عدم وجود نية لمنع أي غزي من مغادرة القطاع، لكن «لن يكون هناك وصول مفتوح» لغزة، وسيخضع الغزيين للتفتيش الدقيق من قبل إسرائيل، في ظل احتفاظ جيش الاحتلال بسيطرة أمنية شاملة في رفح.
وعن الوضع الميداني في غزة، فرغم اتخاذ قرار بوقف إطلاق نار بدأ منذ شهر تشرين الأول من العام الماضي، مازال القصف والاعتداء والقتل والتدمير حاضراً في أرجاء القطاع، الذي يسيطر الاحتلال على جل أراضيه. وحسب مصادر وزارة الصحة الفلسطينية، فقد سقط مئات الشهداء، وآلاف الجرحى، في غزة، منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار. ويواجه الفلسطينيون في غزة، الذين مزقهم عامان من الهجمات الإسرائيلية على القطاع، قيودًا مشددة على حركتهم ومراقبة لأنشطتهم على الإنترنت ومكالماتهم الهاتفية من قبل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. وتؤكد «الأونروا» استمرار أزمة إنسانية واسعة في غزة، في ظل سقوط مزيد من الشهداء بصورة يومية، وتضرر كبير للخدمات.
ويتواجد جيش الاحتلال في شمال القطاع وجنوبه بالكامل، في مناطق بيت حانون ورفح، وفي المناطق الشرقية منه، دافعاً السكان المدنيين لإخلاء مناطقهم السكنية، للتكدس في مناطقه الغربية، أي باتجاه شاطئ البحر، وذلك إما تحت القصف والتدمير، وإما بأوامر إخلاء، كما حدث في منطقة بني سهيلا شرق خان يونس، حيث وجه السكان أوامر عبر منشورات بالاخلاء. ووفقًا لوثيقة نشرها البيت الأبيض الأسبوع الماضي، ترغب إدارة ترامب بنزع السلاح من غزة، مشترطة سحب الأسلحة الثقيلة من الخدمة فوراً، وتسجل الأسلحة الشخصية أو سحبها، في ظل ضمان الأمن الشخصي من قبل قوات للشرطة، تحت الإدارة التكنوقراطية المؤقتة في غزة. وقد حذّر ترامب من مواجهة «عواقب وخيمة» إذا لم يلق مقاتلو حركة حماس والفصائل الأخرى أسلحتها، وهو ما اعتبره نتنياهو سيتحقق، إما بالطريق السهل أو الصعب.
تنتظر غزةَ أوقاتٌ عصيبة، ومخططات معقدة، تحتاج لوحدة قرار فلسطيني، ورؤية واعية لما يحاك ضد القضية الفلسطينية، في ظل حقبة حكم ترامب.
من الواضح أن دفع السكان الغزيين نحو الشريط الغربي الضيق وسط القطاع وحصارهم فيه، في ظل تعطيل كامل لعودة الحياة الطبيعية، والانتهاء من تسوية الأرض في رفح استعداداً لاستقبال الفلسطينيين فيها، والشروط التي تتكشف تباعاً لآليات فتح معبر رفح، يشير إلى أننا قد نكون أمام مرحلة حساسة تتعلق بحسم مستقبل السكان الفلسطينيين في غزة، في ظل تمدد سيطرة قوات الاحتلال على الأرض، وحسم مستقبل السيطرة الأمنية المستقبلية فيه، وفق تصريحات نتنياهو، وموقف ترامب المعروف مسبقاً من الفلسطينيين. سينتقل مقال الأسبوع القادم للضفة الغربية، والذي سيتتبع تصريحات وإجراءات، وإن اختلفت في طبيعتها، فهي تحمل ذات الهدف في غزة.