تاريخ النشر: 19 كانون الثاني 2026


آراء
بين الإقرار بالهزيمة، والترويج لها
الكاتب: عبد الغني سلامة


ظهرت في فلسطين شريحة معينة وجدت طريقها الخاص في التعايش مع الاحتلال، انطلاقا من فهمها الضيق بأن الاحتلال ينتهي حين يختفي حضوره في الشارع، أو حين تتوقف اقتحامات الجيش للمدن.
كما ظهر خطاب إعلامي يوحي بأننا بمجرد بقائنا فوق الأرض (دون أي مواجهة مع الاحتلال) نمارس شكلا من أشكال التحرّر.. ولدى فئة معينة لم يعد مفهوم الحرية يعني إنهاء الاحتلال، بل تحسين شروط الحياة تحته.. ولدى القيادة صارت «الواقعية السياسية» تعني التكيّف مع شروط المحتل بدلا من محاولة تحديها وتخطيها.
يمكن تفنيد تلك المقولات، أو تفهّم بعضها، وهذا في إطار الجدل ومعركة الوعي، الأهم أن نفكر بموضوعية وبخطوات عملية كيف نمنع تحويل هذه الحالة من وصفها إحساسا بالظلم بصورة مؤقتة وباعتبارها مرحلة عابرة أن تصبح حالة دائمة وأبدية.. بمعنى أن نفكر كيف نواجه هذا الظلم عوضا عن القبول به.
هذا لا يعني أن الشعب الفلسطيني بحاجة إلى دروس لتعليمه الوطنية وكيفية مقاومة الاحتلال، فهو المعلم الأول، ومنذ قرن وأكثر ما زال يقاوم الاحتلال بكل عبقرية وشجاعة، وضحّى من أجل ذلك بأغلى ما يملك.. لكنها دعوة للاستفادة من تجاربنا المريرة، واستخلاص العبر، خاصة في ظل الهجمة الاحتلالية الشرسة، في هذه المرحلة الصعبة والحساسة.
فالعدو يعمل بمثابرة على إعادة هندسة الوعي الوطني، بالقوة المفرطة وبالخطاب الإعلامي، ويريد أن يقنعنا أن المواجهة غير مجدية، وإن المقاومة تكلفتها باهظة وعلينا الرضوخ، وتساعده في مخططاته فضائيات عربية، وأقلام وأصوات مؤثرة (بعضها بحسن نية وبعضها عن إرادة ووعي) لتعميم مقولة إنّ الاستقرار أولوية، والانتعاش الاقتصادي هو الهدف الأهم، وإن إسرائيل من القوة بحيث يستحيل هزيمتها، وبالتالي يتوجب التطبيع معها، ليتحول هذا الخطاب مع الوقت إلى قناعة عامة.
هذا الخطاب يجد فرصته في النجاح والانتشار مع ترسيخ مقولتي (النهج السلمي والدبلوماسي وصل طريقه المسدود والمفاوضات أثبتت فشلها، والسلطة مثالا)، ومقولة (المقاومة المسلحة انتحار ولا تجلب سوى النكبات والكوارث، وغزة ولبنان مثالا). عندها سيصل المواطن إلى قمة اليأس والحيرة، فلا السلاح، ولا المفاوضات ممكن أن تحرز انتصارا أو تحقق منجزا.
كيف وصلنا إلى هذه المفارقة الغريبة؟ المفارقة التي ستضعنا على حافة اليأس.
السبب يكمن في الأخطاء القاتلة التي مارسناها (جميعاً)، ومنبعها تلك العقلية المحدودة التي تحصر كل شيء في ثنائيات متضادة.. لتنتج في النهاية مفاهيم مشوهة: «المقاومة» هي فقط الكفاح المسلح، بالرشاشات، بالصواريخ، بالسكاكين.. المهم أن نوقع قتلى إسرائيليين.. ما عدا ذلك جُبن وتخاذل وخضوع.. «المقاومة» تتجسد فقط في من يمارس الفعل المسلح ومن يطلق الصواريخ، أما من يواجه العدو بالأساليب الأخرى فهو عميل ومنبطح.. العمل الدبلوماسي والسياسي نلجأ إليه مضطرين حين نعجز عن الحسم العسكري.. فهو ليس أداة فعالة وليس مهما، وأي منجز يتحقق من خلاله مشكوك في أمره ومشبوه.. الفعل الجماهيري غير مهم (لأن الجماهير مغيبة، أو هم فقط وقود للحرب وأضحيات) والمقاومة الشعبية عمل ناعم غير مجدٍ، وهو تخصص أطفال ومراهقين.. نقد المقاومة تثبيط وتخاذل وتساوق مع الاحتلال.
بهذه العقلية، مارسنا فعلاً مقاومة مسلحة عبثية وانتحارية، وخسرنا أهم وأخطر أدوات المقاومة والمواجهة (الشعبية، والمدنية، والنقابية، والقانونية، والدبلوماسية، والسياسية، والإعلامية، والثقافية، والتفاوضية..)، أو بعبارة أدق اعتبرنا هذه الأدوات ثانوية وغير مهمة، وأجلناها، ولم نحسن استخدامها، أو ضربناها في مقتل حين جعلناها نقيضاً للفعل العسكري المقاوم المدروس.. وفي النتيجة، لم نمارس الكفاح السياسي والتفاوضي بشكل صحيح، ولا المقاومة المسلحة بالشكل الأمثل، وأهملنا المقاومة الشعبية.. لأننا في الأساس لم نمتلك إستراتيجية وطنية مدروسة متفقا عليها.
من تداعيات هذا الفهم المشوه للنضال السياسي والعسكري تشوه مفهوم الهزيمة والانتصار.. لدرجة إنكار الواقع والتعامي عما نراه بأعيننا.
انتهت الحرب دون مكسب سياسي واحد، وقد خلفت دمارا هائلا، وتدمر المجتمع وتحطمت أطره السياسية وصرنا أمام انهيار خطير، وواقع وصاية، وتفتت، وضعف.. نتيجة الحرب أتت نتاجا لكل تلك الممارسات، وانتهت بهزيمة عسكرية مؤلمة، لم تتوقف عند «حماس»، بل شملت الإقليم كاملا.. بل هي هزيمة للمشروع السياسي الفلسطيني خاصة بعد إعلان مجلس السلام والعودة إلى زمن الوصاية.. هذا ليس تحليلا ولا هو إسقاط سياسي.. هذه حقيقة ماثلة أمامنا، علينا أن نقر بها بشجاعة وأمانة.. وهذا الموقف لا علاقة له بالهزيمة الوطنية ولا بالاستسلام.. عشرات الشعوب تلقت هزائم عسكرية قاسية، غير أن روحها لم تُهزم؛ إذ سرعان ما نهضت من جديد، بعد أن واجهت الواقع وأعادت صياغة مسارها باستراتيجيات جديدة ومختلفة.
الهزيمة العسكرية ليست النهاية، بل يجب أن تكون نقطة تحول وانطلاق، إنكارها يعني الاستمرار في الوهم والغرق في الهزيمة أكثر، حتى يصبح الخروج منها أمرا متعذرا.. تماما مثل الاعتراف بوجود المرض، دون ذلك يستحيل العلاج.
ما يجب أن نفعله منع تحويل الهزيمة العسكرية إلى حالة ذهنية تؤسس لمدرسة العجز والقدر، على قاعدة أن المقاومة عبث، وأن الواقع الحالي بكل سوئه هو أقصى ما يمكن بلوغه، فهذه تماما ثقافة الهزيمة.. وخطورتها أنها تُفرّغ الشعب من طاقته الإبداعية وتسلبه أدوات الفعل.. لكن ذلك يحتاج إستراتيجية وطنية عليا تعيد الاعتبار لمفهوم المقاومة وعدم حصرها بالسلاح والدماء.. وتعيد الاعتبار لقيمة الإنسان وحياته وكرامته وحقوقه.
ما يجب فعله أن نميز وندرك خطورة الخطاب الناعم، العقلاني ظاهريا، الذي يدعو للتكيف والاستكانة تحت شعارات الواقعية والموضوعية.. كما نميز وندرك خطورة الخطاب الشعبوي الذي يروج للأوهام والاستمرار في الانتحار (حتى آخر طفل فينا) تحت شعارات المقاومة والبطولة وصور المثلثات الحمراء. فكلا الخطابين مضلل، لأنهما في الجوهر والنتيجة يقودان للهزيمة النهائية.
كسر الهزيمة يبدأ من الوعي، من التخلص من العقلية الثنائية والتفكير الرغبوي العاطفي، ومن تحرير خطابنا من بؤسه وجموده، واستعادة مفهوم المقاومة الشاملة، من التخلص من لغة الشعارات والخطابات.. فالمقاومة ليست تهورا، وبقاؤنا في أرضنا ليس مجرد عمل سلبي، والمقاومة المدنية ليست رومانسية خاسرة، والعمل السياسي ليس خيارا ثانويا، والإنسان أهم من الشعار والحزب والأيديولوجيا.. وهذا مخاض عسير يتطلب تغييرا حقيقيا من الداخل؛ في الوجوه والبنى ومنهجية التفكير.
هكذا نفكك خطاب الهزيمة، ونعلي من شأن الجماهير وأهمية فعلها، ونملّكها أدواتها النضالية التي طالما استخدمتها تاريخيا، ونعيدها إلى صورتها الأولى قبل أن تشوهها شعارات «محور المقاومة».  
الهزيمة الحقيقية تتحقق حين نستمر في ممارسة الأخطاء نفسها، وبالخطاب والأدوات ذاتها وكأنَّ شيئا لم يحصل.