تاريخ النشر: 19 كانون الثاني 2026


آراء
حول الواقع ولجنة التكنوقراط
الكاتب: غسان زقطان

تحتل إسرائيل أكثر من نصف مساحة قطاع غزة 55% حسب صحيفة "هآرتس" وصور الأقمار الصناعية، بعد أن دفعت المكعبات الصفراء عميقا في قلب القطاع، وثبتت 13 موقعا عسكريا على طول الخط. لدينا خط أصفر يقسم القطاع بين جزء محتل وجزء تحت النار.
في الجزء المحتل، تواصل الجرافات ومجموعات الهندسة استكمال عملية الهدم لما تبقى من "الأشياء" الواقفة، تمشيط بالجرافات والمتفجرات وتسوية الأرض تماما، الجزء الآخر حيث دفع الناس نحو خط البحر يقبع تحت القصف والحصار والجوع والمرض.
هذا تقريبا ما يطلق عليه في "الاتفاق" المرحلة الأولى، خط أصفر يعتبره "زامير" رئيس أركان جيش الاحتلال "الحدود الأمنية للدولة"، بينما لم يفقد "سموتريتش" وزير المالية الأمل في استيطان الشمال، ويخطط "بن غفير" وزير الأمن والسجون لبناء حي لضباط الشرطة على الشاطئ بعد تهجير الفلسطينيين.
منحت خطة الرئيس الأميركي ترامب الخط نوعا من الشرعية، بحيث يبدو شرق القطاع مساحة حرة لعمل جيش الاحتلال، العمل الذي بدأه "سلاح الجو" مع صبيحة الثامن من أكتوبر متبوعا بالهجوم البري في الأسابيع الأولى التي تلت ذلك، والآن وبعد الاتفاق على "وقف إطلاق النار" يمكن لجرافات الـ" دي9" استكمال الهدف الميداني لحملة الإبادة في تجريف كل شيء على الأرض، بما يشمل الناس، وتسمين الميليشيات المتعاونة مع الاحتلال ودفعها نحو حياة الناس ضمن جدول مهمات يخدم خطط التهجير ويعطل أي محاولة لاستعادة دور السلطة في المرحلة الثانية؛ الاغتيالات، الابتزاز، الفوضى...، هذا يذكر بمهمة "كتائب السلام" المتعاونة مع الانتداب البريطاني بعد ثورة الـ36، الحديث يجري عن أربع مجموعات، وهو ما يخدم الهدف النهائي لحملة الإبادة في تحويل غزة إلى مكان غير صالح للعيش.
بالنسبة لحكومة اليمين الفاشي في إسرائيل، تشكل المرحلة الأولى وضعا مثاليا يمنحها مساحة واسعة للتصرف وإقناع جمهورها اليميني وحزام المترددين بإنجازات الدولة، خاصة في سنة انتخابات تبدو حاسمة، وتشكل فيها الحروب على لبنان وسورية وفلسطين وإيران واليمن المعيار الرئيس للإنجاز. وهو ما ستحاول المحافظة عليه وتقديمه لجمهورها.
يبدو الإعلان الأميركي عن بدء المرحلة الثانية من الاتفاق بمكوناته الثلاثة، مجلس السلام، لجنة التكنوقراط الفلسطينية وقوة الاستقرار الدولية، متعجلا وتكتنفه الثغرات والشكوك، وسيواصل نتنياهو تفكيكه وتعويم عملية الانتقال، سواء عبر البحث عن الجثة الضائعة أو نزع سلاح "حماس" أو الاعتراض على أسماء لجنة التكنوقراط والبحث في أرشيفهم الشخصي عن "شبهات وطنية".
فيما يتعلق بالموقف الفلسطيني، ليس لدينا الكثير من الخيارات، ببساطة، الأمر هو بهذا السوء، وما يكرس الوضع الصعب هو فشل الطرفين الرئيسيين في المشهد، في قراءة التحولات والواقع، والتطرف في التمسك بقراءات وأدوات لم تعد صالحة في الواقع الجديد.
لدينا لجنة من أبناء قطاع غزة، الآن، يقودها علي شعث وهو وكيل سابق لوزارة التخطيط في السلطة الفلسطينية، ليست طرفا ثالثا ولكن يمكن عبر دعمها التواجد في منطقة العمل، ومحاولة تقديم الخدمة الميدانية للناس، ثم تطوير هذا الحضور سياسيا.