تاريخ النشر: 13 كانون الثاني 2026


دفاتر الأيام
الخلل إذاً ليس في الجهاز!
الكاتب: زياد خدّاش

إيّاكَ أنْ تَتَفاجأ.
ستستغرب زوجتك من نظرتك الحزينة والدائمة إلى موبايلك على الطاولة، ستسألك: مالك يا زلمة خايف حدا يسرق جوالك؟
لا، لا، بس خايف يكون خربان، بطل يرن.
رنات مُوبايلكَ سيقِلُّ عددُها كثيرا، لأسباب غير تقنية، فلا تَحزَنْ؛ فالَّذين يُحِبّونَكَ لأنَّكَ فلان قلائلُ، أمّا الكثيرون فسيَمُرُّ اسمُكَ وهم يتصفَّحون قائمةَ أصدقائهم في الموبايِل كما يَمُرُّ طائرٌ على سِلْكٍ كهربائيٍّ طارئ.
في الشارع، وعلى رصيفٍ آخَرَ، كانوا قبلَ التقاعدِ يَقطَعونَ الشارعَ للمصافحةِ الحارّة. الآنَ، ربّما يَرفَعونَ يدَهم بتحيّةٍ باردةٍ وسريعة، وهذا إذا لم يكتفوا بتحيّةِ رأس.
زُمَلاؤُكَ الّذين كنتَ مسؤولا عنهم، والّذين كانوا كلَّ صباحٍ يتجمّعون في مكتبِكَ، يَمدحون ابتسامتَكَ وذكاءَكَ، ويستمتعون بحِرصٍ إلى كلامِكَ، ويهزّون رؤوسَهم مُعجَبين… سترى بعضَهم في سوبرماركتٍ أو في محطةِ بنزينَ بالصدفة؛ سيُخاطبونكَ بـ»عِصام»، وستختفي «أستاذ».
أمّا قصّتُكَ التي ترويها لمديرِ المحطّةِ، فسيعتذرُ عن سماعِها موظّفُكَ القديمُ؛ لأنّه مشغولٌ بعُرسِ ابنِ صاحبه.
«لايكات» منشوراتِكَ ستنخفضُ بشكلٍ ملحوظ، ليس لأنَّ محتواكَ مُقيَّدٌ أو ممنوع، بل لأنَّ محتواكَ لم يعُدْ صاحبُه المدير. أمّا التعليقاتُ فستقِلُّ، ولن ترى فيها الحرارةَ نفسَها.
حين تُزَوّجُ ابنتكَ وتَعزِمُ موظّفيكَ، لن يأتيَ إلّا الّذين يُحبّونَكَ لأنّكَ فقط فلان، والمصيبةُ أنّهم لن يعتذروا.
حين تَمرَضُ – لا سمحَ الله – لن تجدَ فوق سريرِكَ سوى القليل، أمّا معظمُ موظّفيكَ السابقين فلن يُرسِلوا حتّى رسالةَ موبايِلٍ يتمنّونَ لك فيها الشفاء.
حين تزورُ مكانَ عملِكَ سابقا، سيراكَ في الممرِّ الموظّفون؛ معظمُهم سيرفعُ يدَه بتحيّةٍ باهتة، ويتمتمون: «اتفضّل يا فلان». في زمنِكَ كمديرٍ كانوا ينهضون ويتدفّقون إليك مصافحةً وقُبَلًا.
وحين يلتقي بعضُهم بولدٍ لك أو بحفيدٍ بالصدفة في ساحةِ جامعٍ أو في سوقِ خُضار، لن يَنهَمِرَ عليه سلامات، ولن يُلاطِفَه بأسئلة.
«سَلِّمْ على الوالد»… هذا ربّما ما في جُعبتِه فقط، بينما في زمنِكَ السابق كان سيحدُثُ ما يلي: سيعزمُ الموظّفُ ابنَكَ أو حفيدَكَ على كُنافة، وسيبتسمُ كثيرا في وجهِه، وربّما يشتري كيلو موزٍ هديّةً لك، قائلا لحفيدِكَ: «قُلْ للأستاذ إنّي اشتهيتُ له هالموزات».
وحين تنخفض عدد الرسائل الصوتية لتطبيق الواتس، أو الماسنجر في جهازك الخلوي، لا تذهب إلى محل صيانة معتقدا أن هناك خللا ما. ببساطة ستحرج نفسك وأنت تقف أمام مسؤول الصيانة مصدوما من سؤاليه: أستاذ. اسمح لي بسؤالين:
* هل انت متقاعد حديثا؟
- نعم.
* هل الخلل حدث قبل تقاعدك أم بعده؟
- بعده.
- الخلل إذاً ليس في الجهاز.
إذا حدث وان زرت مدير مكتبك الجديد. ستجد في مكتبه نفس الموظفين الذين كانوا يتجمعون صباحا في مكتبك.
هذا طبيعي. لكن غير الطبيعي أن قصصك وسردك الساحر سيقطع من الربع أو المنتصف حين يتحدث المدير الجديد. وسترى أن العيون متجهة له في نظرات انبهار ومحبة. وستلاحظ نفس الآذان التي كانت تشنف في مكتبك حين تبدأ في الحديث. ليست موجهة إليك. وأن حديثك لن يكون له نفس الأثر، سترى بعض الجالسين وهم ينظرون إلى المدير الجديد ليروا تأثير كلامك عليه، فإذا ابتسم ووافق سيبتسمون ويوافقون وإذا هز يده غير موافق  فسيهزون أياديهم بنفس هزاته.
وإذا فجأة أردت الخروج. تلقي عليهم سلام المغادرة، ستسمع شخصا واحدا أو شخصين وهما يتمتمان: مع السلامة دون أن ينظرا إليك.