د. جورج حبش: نموذج القائد الديمقراطي الوحدوي
بقلم: د. فيحاء عبد الهادي

2008-02-03
"إن شعباً يعشق الحرية كشعبنا، عرف درب الوطن، وتعلّـم كيف يصون أرضه ويموت كالأشجار لا يركع، لقادر على تحقيق الانتصار، طال الزمان أو قصر".

د. جورج حبش
üüüüü
حين يذكر القادة العظام عبر تاريخ فلسطين؛ يبرز اسم حكيم الثورة الفلسطينية: جورج حبش، وحين يجري الحديث عن أهمية ربط النظرية بالـممارسة الكفاحية؛ يعلو صوت الحكيم: "لا حركة ثورية دون نظرية ثورية"، وحين يذكر تواضع الـمفكرين الثوريين؛ يذكر تواضع القائد التاريخي، وحين يقتتل الإخوة وتقصر قاماتهم؛ تطول قامته. وحين نفتقد شهداء الوطن ونبكيهم؛ نفتقدك ونبكيك أيها القائد الـمعلِّـم.
يا من قدَّست الحياة، في اللحظة نفسها التي قدَّست فيها الشهادة في سبيل الحياة:
"إن كان للحياة معنى، ففي الشهادة تكمن أعمق الـمعاني. وإذا كانت الحياة بحلوها ومرِّها تستحق أن تعاش حتى الرمق الأخير، لأنها تأتي مرة واحدة وتذهب للأبد، فهذا يضفي عميق الـمعاني والدلالات على التضحية والشهادة، ويكسب الشهداء والذين يقدمون أرواحهم قرباناً للوطن كل القدسية والاحترام".
üüüüü
آمن د. جورج حبش بأن التاريخ لا يتكرر؛ بل يتطوَّر، وأن التطوّر لا يتمّ إلاّ بوعي لطبيعة التطوّر، والتقاط لطبيعة اللحظة التاريخية؛ الأمر الذي جعله يؤسس "حركة القوميين العرب"، أواسط الخمسينيات، ويشكِّل خلايا في الأردن، وليبيا، والسودان، واليمن بشطريه، وبعض بلدان الخليج العربي، والأمر الذي جعله يعتنق الاشتراكية العلـمية، هادياً ومرشداً لتنظيم "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، عام 1968م.
شكَّل الكفاح الـمسلَّح هاجساً رئيساً لدى "الحكيم"، منذ تأسيسه لحركة القوميين العرب، حتى تأسيس "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين". تطوَّر الفكر والشعار، فمن: "دم حديد نار"، إلى "الفكر يوجِّه السلاح"، مؤمناً أن الكفاح الـمسلَّح هو أرقى أشكال النضال، في مواجهة العدو الصهيوني. متميِّزاً عن غيره من القيادات السياسية، بربط القضية الفلسطينية ببعديها القومي والأممي.
عمل "الحكيم" مع الجماهير ومن أجلها، مؤمناً بدورها كصانعة لتاريخها: "إن الجماهير الـمنظمة والـمعبأة هي وحدها صانعة التاريخ، وهي الأساس في معركة التحرير". "علينا أن نستند إلى قوة الشعب وطاقاته الكفاحية، وطريقنا إلى ذلك، تبدأ بالـموقف الوطني الحازم، بتعبئة طاقات الشعب، والحفاظ على مكتسبات ثورته ومنظمته، وبشكل خاص في الحفاظ على وحدته الصلبة والراسخة".
أما حسّه النقدي، فقد تجلّى في ممارسة النقد والنقد الذاتي، ليس كمبدأ يتغنى به، أسوة بالكثير من القيادات السياسية؛ بل كمبدأ يترجم واقعاً، داخل الهيئات القيادية، وخارجها. وأكبر مثال على ذلك:
مراجعة أسلوب "خطف الطائرات"، ووقف العمل به، إثـر النقاش الـمعمَّق، الذي أثير في الـمؤتمر الوطني الثالث للجبهة، الذي انعقد في آذار 1972، وصدر ضمن وثيقة "مهمات الـمرحلة الراهنة": "استنفدت هذه الوسائل أغراضها، وأدَّت وظيفتها. قررنا وقف هذا النمط من العمليات".
لـم يخش الحكيم انفضاض الجماهير عن تنظيم الجبهة، بسبب الـمراجعة النقدية؛ بل آمن بأن النقد هو سلاح ذاتي يقوِّم الـمسيرة الثورية؛ الأمر الذي جعله يدعو إلى مراجعة التجربة الفلسطينية، عبر محطاتها العديدة: "كيفية تعاملنا مع هذه الساحة العربية أم تلك، مع الحركة الوطنية التي أهملناها كلياً، فهمنا للعمل الوطني والقومي، للعمل السياسي والدبلوماسي من جهة، والعمل العسكري من جهة أخرى، تجربتنا العسكرية، الـمظاهر الاستعراضية، مشكلاتنا التنظيمية، الصراع الفئوي، التمثيل النسبي، الهيمنة والتفرد، القيادة الجماعية الغائبة، الـمنظمات الشعبية الـمفرغة والـمهمشة والـملحقة، الجوانب الـمسلكية والأمراض الـمستعصية التي علقت بجسم الثورة، كل هذا فضلاً عن النهج السياسي أولاً، وعشرات العناوين التي تبدأ بالأرض الـمحتلة والـمشكلات الجدية الناشئة هناك، وتمرّ بالشتات الفلسطيني، وتنتهي بالأوضاع الداخلية للـمنظمة، كل هذا بحاجة إلى مراجعة وتمحيص وتقييم، نحن متحمسون له، مستعدون لتحمل مسؤولياتنا على هذا الصعيد، ونطالب الآخرين، وتحديداً القيادة صاحبة القرار على هذا الصعيد، لأن تمتلك الجرأة وتجري مثل هذه الـمراجعة، التي سنشاركها بها حتماً".
üüüüü
تهزّنا كلـمات الحكيم الصادقة، عام 1987م، التي ما زالت صالحة حتى اليوم، وتدعونا إلى مراجعة تجربة الثورة الفلسطينية، وتقييمها سلباً وإيجاباً، دون خشية أو وجل؛ استجابة لنضال شعبنا الطويل وتضحياته، وإخلاصاً لقادة ملكوا الرؤية الثاقبة، والحس النقدي، والنفس الكفاحي الطويل.
üüüüü
آمن "الحكيم" بأهمية التغيير الاجتماعي، الذي يستلزم حـشـد طاقات نصف الـمجتمع الـمعطلة: طاقات النساء، وربط بين تحرير الوطن وتحريرهن؛ الأمر الذي جعله حريصاً على تكريس وجود الـمرأة، ضمن هيئات الجبهة كافة، وطرح قضية الـمرأة بعمق، منذ مؤتمر الجبهة الأول، وإفساح الـمجال أمام النساء، كي يتبوّأن أعلى الـمراتب القيادية في التنظيم.
وحين تخلّى د. "جورج حبش"، عن موقعه القيادي داخل التنظيم، في الـمؤتمر السادس للجبهة، عام 2000؛ قدَّم مثالاً مميزاً للقائد الذي ينتصر لقناعاته الديمقراطية، عبر تخليه عن أعلى موقع قيادي، دون أن يتخلى عن التنظيم. كما قدَّم مثالاً للقائد الذي يعنى بالفكر ويعطيه الأولوية، عبر إصراره على التفرّغ للكتابة، وتأسيسه مركزاً للدراسات والأبحاث، يعنى بتوثيق التجارب الكفاحية الفلسطينية والعربية ودراستها.
üüüüü
أبا الـميساء، نحن في أمسّ الحاجة للاسترشاد بدعوتكَ إلى الوحدة الوطنية، في هذه الفترة السياسية الـمظلـمة من تاريخنا، وبدعوتكَ إلى بلورة خط سياسي واضح، والتفرقة بين تسوية تجهض ثورة شعبنا الفلسطيني، وتسوية وطنية تحمل لشعبنا الاستقلال الوطني، وتكفل له حقوقه الـمشروعة غير القابلة للتصرف، بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية.
أثَّرت في تشكيل وعي مئات الآلاف، ممن عرفوك، وممن لـم يعرفوك، ممن اتفقوا معك، أو اختلفوا معك، من عشاق الحرية. لـم ترضَ أن تعيش في فلسطين، في ظل الاحتلال الإسرائيلي؛ لكنَّ سيرتك الكفاحية، وإرثكَ الفكري، وسماتك الإنسانية الـمميزة، سوف تعيش خالدة، في ذاكرة شعبك وشعوب العالـم.
faihaab@gmail.com