حالفني الحظ للمرة الثانية، في محطة نزوحي من غزة إلى مصر، لكي أتابع فعاليات معرض الكتاب الدولي، حيث عُقدت فعاليات وما زلت انتظر المشاركة وحضور أخرى في الأيام القليلة المتبقية، قبل أن تنتهي هذه الأيام النادرة، التي يجب على كل مثقف أن ينتظرها، ليلتقي بزملاء وأصدقاء ربما كان يلتقي بهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي لسنوات، وربما كان يقرأ لهم فقط دون أن يتوقع انه سوف يراهم على أرض الواقع.
جمعتني الصدفة الجميلة بالكاتب والشاعر والمؤرخ الفلسطيني الدكتور خليل حسونة في المصعد، حيث كنت في طريقي لحضور ندوة أقيمت في الجناح الثقافي لسفارة فلسطين بالقاهرة، وكان محور الندوة هو دور القوة الناعمة في مناصرة القضية الفلسطينية، ولدقائق قليلة اعتقدت أن هذا الشخص هو شاعر أعرفه والتقيته أيضا في فعالية ثقافية، لكن الدكتور خليل حسونة عرف نفسه لي باختصار وتواضع بأنه صاحب مائة وستة وأربعين مؤلفا عن فلسطين سواء في الأدب أو الشعر أو التأريخ للتراث الشعبي ومجالات أخرى كثيرة، وقد لفتني الرجل ببساطته وهدوئه والطيبة التي تبدو على محياه ووجدت نفسي أسير معه ونقطع الممر المؤدي إلى مكان الاجتماع ونتجاذب أطراف الحديث، ولكي يجمعنا لقاء آخر في اليوم التالي على أرض معرض الكتاب حيث فوجئت بمؤلفاته البديعة على رفوف إحدى دور النشر الفلسطينية.
يمنحك المعرض فرصا لا تعوض لكي تشم رائحة الوطن بلقاء كتاب المهجر والكتاب القادمين من الضفة الغربية والقدس، ويفاجئك اكثر حين يمنحك ذلك الشعور الأبوي الذي منحني إياه لقاء الكاتب الأب خليل حسونة وحيث لمست ذلك الإحساس الذي ينثره أينما ولّى وجهه، خصوصا مع الفتيات الشابات اللواتي يتصفحن الكتب، ومع الشبان الصغار من المؤلفين والذين يوقعون أولى تجاربهم الأدبية من قص ونثر وشعر.
تفاجئك فلسطين ممثلة بهذا الكاتب والمؤرخ الكبير، وحيث انك تتيقن تماما أن وطنك متفرد في كل شيء بدءا من تمسك أهله به وامتدادا لثقافته التي انعكست على ابسط الأمور الحياتية، وحين يتحدث الدكتور حسونة عن دلالات الثوب الفلسطيني تكتشف انك لا ترى ثوبا فقط بل ترى قصة حياة امرأة فلسطينية حين تغضب وتحزن وحين تفرح وتبتسم، وتكتشف مواسم الحياة كلها والعادات والتقاليد وتباينها وتشابكها في الوقت نفسه لأن الثوب الفلسطيني الذي تحدث عنه الدكتور حسونة في أكثر من كتاب ليس قماشا وخيوطا بل هو حكاية شعب لن يموت.
يبهرك هذا الحضور الطاغي لأب من آباء الثقافة الفلسطينية والحاصل على أكثر من شهادة دكتوراه في العلوم السياسية والمشارك في العمل الوطني منذ العام 1967 والعضو المؤسس لاتحاد الكتاب الفلسطيني والليبي كما أنه شغل منصب مدير في وزارة الإعلام بالسلطة الوطنية في غزة، واليوم، يطويه المهجر البارد في النرويج، لكن ذلك لم يمنعه أن يركب الطائرة لكي يصل إلى حيث اللقاء السنوي بالأبناء والأحفاد من محبي وعشاق القلم والكلمة الذين استقوا هذا الحب من حبهم الأكبر وهو فلسطين.
حين تتصفح بعضا من إنتاج الكاتب الأديب حسونة تكتشف أنه قد سلك مسارا فنيا فريدا من حيث تميزه بالالتزام الثابت الذي لا يحيد ولا يتغير بالمجتمع الفلسطيني خصوصا وثقافته، وحيث يعكس في كل عمل أدبي واقعا حقيقيا عاشه بنفسه وذلك من خلال عوالم متميزة يصحبك بها من خلال رواياته الطويلة وقصصه القصيرة وقصائده الشعرية التي تفوح منها روائح البلاد التي غابت.
أبانا الذي التقيناه في معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام ونحن نعبر عن جيلين أو ثلاثة من محبي الثقافة وممتهني الكلمة والحرف يشعرك بأنك سوف تعود غدا إلى فلسطين، وتحديدا إلى غزة حيث مخيم الشاطئ مسقط رأس أبينا الحبيب ومخيم خان يونس حيث انطلقت صرخاتك الأولى في الحياة تحديدا وحيث اقتلعوك بلا ذنب أو خطيئة وألقوا بك في غربة باردة تبحث عن دفء لو للحظة ولو حتى بين دفتي كتاب.