رحل عاشق الأرض وحارس الذاكرة، حمزة أسامة ديرية «العقرباوي»، يوم 30 كانون الأول 2025.
هل حقاً رحل؟ وغرقاً في مياه النيل؟ لم أصدّق ولم يصدّق العديد ممن عرفوه، وأحبّوه.
كيف نروي حكايتك حمزة؟ كيف نرويها قبل أن تكتمل؟ أنقول إنك أحببت الحكاية حتى سحرتك وعشقت الحكاية حتى سكنتك؟
أنقول إنك صرتَ أنت الحكاية، التي تتجوّل على قدمين/ وترى بعينين/ وتسمع بأذنين؟
الحكاية التي تدخل عنق الحكاية/ وتغتني بالحكاية/ لتلد حكايا؟
الحكايا التي تحفز خيالنا/ وتعيننا/ وتلهمنا/ والحكايا التي تجعل المستحيل ممكناً؟
السلام لروحك المبدعة.. وعنقود من الحكايا.
*****
عرفته ضمن «مجاورة» نظّمها «الملتقى التربوي العربي»، بتاريخ: 16، و17 آذار 2017، بالتعاون مع شبكة «حكايا»، ضمن برنامج ملهم، جمع بيني وبين عشرة مشاركين/ات، عبر مشاركة التجربة في جمع الروايات الشفوية، والتدرّب على رواية بعض النصوص الشفوية، كحكّائين/ات.
تقوم فلسفة المجاورة على مبدأ التعلم عن قرب، وعلى الإيمان بوجود منابع مختلفة للتعلم، أهمها ما يوجد بدواخلنا من قدرات هائلة، وما هو موجود ومتاح أمامنا، الأمر الذي يتطلب أن نعيد اكتشاف قدراتنا، وأن نتعرّف عليها، ونخرج الإبداع الكامن فينا.
أرسلت للمشاركين/ات خمسة نصوص شفوية، للتدرّب على روايتها قبل موعد اللقاء، وضمن يومَي المجاورة جرى حوار ثري بيننا، تخلله تقديم عروض الحكي للنصوص الخمسة، والنقاش حولها.
استأذن حمزة العقرباوي في مغادرة جلسة المجاورة ظهر يوم 17 آذار، ليشارك في تشييع صديقه الشهيد «باسل الأعرج»، في قرية «الولجة»، ما جعلني أتعرّف بشكل أكثر عمقاً على شخصية الشاب الممتلئ حماساً وحباً للحكايات.
*****
حدّثني عن بداية تعرّفه إلى المناضل «باسل الأعرج»، وكان ذلك حين بدآ بالتجوّل عبر المدن والقرى والمخيمات لجمع روايات الكفاح، والبطولة، والملاحم، ضمن ثورة 1936-1939، حيث كان يرفض الشهيد فكرة التجوّل باعتباره نزهة فحسب، بل كان يؤمن بأهمية أن يتعرّف المتجوّل على تاريخ وحكاية المكان الذي يسير فيه.
سار حمزة على الطريق ذاته، طريق المثقف العضوي المشتبك، وإن اختلفت الأدوات والأساليب. فتنته سير الأبطال الفلسطينيين/ الثوار/ والشهداء/ والمعتقلين/ نساءً ورجالاً.
لن أنسى عرض الحكي، «خير يا طير»، الذي شارك فيه حمزة، عبر تجسيده بإبداع شخصية المناضل القائد «محمد القاضي» - رحلة تهجيره من كوكبا ومحطات نضاله منذ شبابه حتى رحيله العام 2014، في دارة الفنون في عمّان، وفي متحف محمود درويش في رام الله.
ولن أنسى رسائله التي طلب فيها مقالتي عن المناضلة «سهيلة طه»، كي يستخدمها في تقديم عرض حكي، يجسد فيه نضالها لاسترداد جثمان شقيقها المناضل الشهيد «علي طه»، وتكريمه بدفنه، بعد احتجازه لدى الاحتلال إثر عملية «سابينا»، في مطار اللد، التي هدفت إلى استعادة الأسرى الفلسطينيين من سجون الاحتلال الإسرائيلي، وتخطيطه لعرض حكي، كان سوف يقدم فيه مسيرة كفاح القائد المناضل «حمدي مطر».
*****
عبر مسيرته كحكواتي فلسطيني، من فلسطين إلى الأردن إلى مصر إلى أوروبا، طوّر حمزة معرفته وأسلوبه في سرد الحكايات ليدهشنا جميعاً. واصل مشروع التجوال، ليزداد التصاقاً بالأرض، ترابها، وأشجارها، ونباتاتها، وزهرها، وغاباتها، وسهولها، وهضابها، وليزداد معرفة بالناس، ويساعدهم على استخراج مواطن الإبداع لديهم/ن، مؤمناً أن الحكايات لا تعيش إلّا مع الناس وللناس، وأنها لا تساعد فقط بالحلم بغد أفضل، بل تساعد على بناء عالم أفضل.
وعبر لقاءاته مع الناس، ضمن مشروع التجوال، حرص حمزة على التعرّف إلى حياتهم الاجتماعية والثقافية، عاداتهم، وأفراحهم، ومآتمهم، وأمثلتهم الشعبية، وحكايات جدودهم، وطريقة ملبسهم ومأكلهم. ولم يكتف بذلك، بل لجأ إلى البحث العلمي لمعرفة المزيد عن الحياة الاجتماعية الفلسطينية، حيث نسّق وأشرف على بعض الأبحاث التي قام بها متطوعون/ات، والتي تتناول تاريخ القرى الفلسطينية، وعادات أهلها، مثل البحث عن سيباط الذهب/ حكايات من قرية دير قديس، الذي دعمته «مؤسسة رواد التنمية».
كما كتب مقالات بحثية، نشرها على موقع ألترا فلسطين الإلكتروني، بين الأعوام (2023-2024)، تناول بعضها الوضع السياسي، مثل مقالته: «حرب غزة: السعي لاغتيال الوجود وتدمير الهوية»، وركز بعضها على المدن والقرى الفلسطينية، في الماضي والحاضر، مثل مقالاته عن مدينة يافا، بعنوان «ثورة 1921: هذه نتيجة استفزاز أهالي يافا»، وعن خربة الطويل، بعنوان «ذاكرة الجغرافيا والأرض في خربة الطويل»، وعن مسافر يطا، بعنوان «مسافر يطا.. لحظات قبل الاقتلاع والترحيل»، وعن حوارة وقصرة «بين حوارة وقصرة.. موت يلاحقنا».
كما كتب أيضاً مقالات عن الأبطال الفلسطينيين الشعبيين، في الماضي، مثل «الواد الأحمر: طريق المتبوعين والخارجين على الدولة»، حيث رصد فيها قصص عن بطولة «أبو جلدة»، و»العرميط»، اللذين لم ينصفهما التاريخ المكتوب، وكتب عن أبطال شعبيين في الحاضر، مثل مقالته بعنوان «أبو عبيدة.. شرفنا العالي».
آمن حمزة إيماناً راسخاً بأهمية ترسيخ الهوية الفلسطينية، ووجوب الحفاظ عليها، وناضل بشكل عملي ضد محاولات المحتلّ الإسرائيلي المستميتة لسرقتها، وتشويهها، وتدميرها، لصالح مشروع استعماري، عبر نسبة عدد كبير من مكوّناتها الثقافية إليه، مثل الملابس التقليدية الفلسطينية، والمأكولات الشعبية، والحرف اليدوية.
وكان هذا سبباً في تركيزه الأعوام (2017-2022) على كتابة عدد من المقالات، التي تبحث في المطبخ الفلسطيني، وعلاقته بالمطابخ العربية والأجنبية، وتوثّق تطورها، الأمر الذي جعله يتتبع أصول الأكلات الفلسطينية، التي يمكن عبرها قراءة الحياة الاجتماعية في فلسطين، فكتب عدداً من المقالات، منها: «الخُبّيزة.. ربيع المعدة»، و»ستّ الطناجر»، و»المجدّرة.. أكلة مقدّرة»، و»سيرة فلسطينيّة لورق العنب»، و»الفول باكورة خير الشتاء و»العدس.. لحم الفقراء في تراث فلسطين»، و»كفتة الفلسطينيين.. داود باشا العرب!»
*****
الصديق والزميل الحكواتي، حمزة العقرباوي، رحلتَ وبقي إرثك حيّاً.. أجمع كل من تعرّف عليك، أنك كنت تسابق الزمن للتعلّم والبحث والكتابة، وجمع الحكايات، وفكفكتها، وربطها بسياقها السياسي والتاريخي والثقافي، وجمع الوثائق التاريخية، والحكايات الشعبية، والتاريخية، وقبل كل ذلك، أجمعوا على أنك كنت حارساً من حرّاس ذاكرة الوطن.
سوف تبقى في ذاكرة كل من عرفكَ، وأَحبّكَ، وزاملك، ومن سمع حكاياتك، أو قرأ مقالاتك البحثية، وسوف تبقى في ذاكرة فلسطين، أرضها وترابها وشعبها. سوف نفتقدك جميعاً.
[email protected]
www.faihaab.com