تاريخ النشر: 19 كانون الثاني 2026


آراء
حين تكون غزّة منطلقاً لأهداف أوسع
الكاتب: طلال عوكل


بعد تأخير لم يكن عشوائياً، أو متناسباً، تمّ الإعلان عن الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطّة رئيس أميركا دونالد ترامب.
ثلاثة أشهر وأكثر منذ دخول الخطّة حيّز التنفيذ، لم تلتزم خلالها دولة الاحتلال بما جاء فيها، رغم التزام وتنفيذ الفصائل الفلسطينية ما ترتّب عليها من التزامات، باستثناء جثّة أحد الإسرائيليين، الذين بذلت جهوداً جبّارة للعثور عليها دون جدوى.
التأخير غير المتعمّد للعثور على الجثّة وتسليمها، شكّل الذريعة لاستمرار الاعتداءات الإسرائيلية بالقصف والاغتيال، وتوسيع المساحة التي يسيطر عليها جيش الاحتلال بأكثر من 10% مما كان عليه الحال وقت دخول الخطّة حيّز التنفيذ.
وبالإضافة لذلك ظلّت دولة الاحتلال، تتحكّم في عدد وأنواع الشاحنات والمساعدات التي تدخل إلى قطاع غزّة، واستمرّت في إغلاق المعابر.
لكن الخطاب الأميركي كان دائماً يثني على التزام الدولة العبرية وتحميل المقاومة الفلسطينية المسؤولية عن استمرار الخروقات.
الإعلان الأميركي عن البدء بالمرحلة الثانية للخطّة، تزامن مع الإعلان عن تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة القطاع برئاسة الدكتور علي شعث وأربعة عشر عضواً آخر، من الكفاءات المستقلّة، والإعلان، أيضاً، عن تشكيل ما يسمّى «مجلس السلام العالمي» برئاسة ترامب، و»المجلس التنفيذي»، و»المندوب السامي» ميلادينوف.
التركيبة من أوّلها إلى آخرها، جاءت من تصميم الإدارة الأميركية، وبالتنسيق مع دولة الاحتلال، ما يجعل الانتقادات التي يوجّهها الكثيرون، لأعضاء «السلام العالمي»، و»التنفيذي»، أمراً نافلاً لا قيمة له.
المجلسان يضمّان عدداً معروفاً من المستشارين الأمنيين والاقتصاديين، والمسؤولين البارزين والمستثمرين، والغالبية العظمى منهم، مناصرون لدولة الاحتلال في أقلّ التقدير.
وعلى الرغم من هذه التركيبة، لمجلس وأدوات بعيدة عن السلام، وعن منطق الحقّ والعدل، تتفق «المعارضة» والحكومة في دولة الاحتلال كلّ من موقعها، على عدم الرضا.
قد يكون التعبير عن عدم الرضا الإسرائيلي شكلاً من أشكال الاستدراكات لتبرير سياسة تعطيل أو عرقلة تنفيذ بنود الخطّة، أو لتعظيم الدور الإسرائيلي في عملية التنفيذ وأولوياتها.
الميلشيات التي دعمت دولة الاحتلال وجودها في القطاع، عبّرت من خلال تصريحات للصحافة الإسرائيلية عن عزمها على إفشال الخطة، ومواصلة العمل لاجتثاث المقاومة الفلسطينية.
لا إمكانية لدى الفلسطينيين أو الوسطاء، للاعتراض على الخيارات والتراكيب التي أقرّها ترامب، ويبدو أن التحليلات المتشكّكة، والمعترضة، من قبل نشطاء فلسطينيين، موجّهة إلى الداخل الفلسطيني أكثر ممّا هي موجّهة للأطراف الخارجية.
تنبري الأقلام، لتبرئة الذات، وادعاء صحّة التحذيرات والنصائح للمقاومة الفلسطينية، التي يحمّلونها جزءاً كبيراً من المسؤولية عمّا حلّ بأوضاع الفلسطينيين.
نأمل أن لا توضع اللجنة الوطنية كلّها أو بعض أعضائها، في دائرة إبليس، لكي تستحقّ الرمي بالحجارة.
كان الله في عون «اللجنة الوطنية»، التي تتحمّل مسؤولية تاريخية أكثر من صعبة وأكثر من معقّدة، ولتخفيف الأعباء عن كاهلها تحتاج إلى إجماع فلسطيني شامل، فصائل ومجتمعاً، يقف إلى جانبها، ويدعم توجّهاتها لما فيه مصلحة الناس.
في أوّل تصريح له أعلن الدكتور علي شعث أن الأولوية القصوى في خطّة إعادة التأهيل تتمثّل في توريد 200 ألف وحدة إيواء مسبقة الصنع بشكل عاجل كبديل للخيام.
ومن المهمّ أن الدكتور شعث أكد على أن اللجنة تبني السلام الذي تسعى من خلاله إلى تأمين الطريق نحو الحقوق الفلسطينية الحقيقية وحق تقرير المصير، ما يعطي لعمل اللجنة أبعاداً وطنية وسياسية واضحة.
هذه الترتيبات، أشعلت خطاب التحذير من سوابق وقعت في التاريخ عن الاحتلال البريطاني، والمفوّضين الساميين، ورموز المرحلة الاستعمارية السابقة، ما يبعث خطاباً متشائماً.
غزّة بالنسبة لمعظم أعضاء «السلام العالمي» و»التنفيذي» عبارة عن عقار واستثمار، ومؤشّر نحو مواصلة تنفيذ مخطّطات «الشرق الأوسط الجديد»، وقد تمتدّ ولاية هذه التراكيب إلى ما هو أكثر من سنتين، وهي المدّة التي تنصّ عليها الخطة.
الأسئلة المطروحة كثيرة، بعد تجاوز مسألة الإعلانات عن التشكيلات والأسماء، وبعض المهمّات، وهي تتعلّق بجهات وصلاحيات كل جهة وبمن هي الأطراف التي تتحمّل مسؤولية تمويل إعادة الإعمار، وآليات ذلك، ومن هي قوة الاستقرار، ومتى يتم تشكيلها، وأسئلة عن موضوع سلاح المقاومة، وموعد وآليات عمل المعابر وموضوع انسحاب جيش الاحتلال، ومدى الالتزام بوقف الاعتداءات.
في كلّ الأحوال، غزّة لا تبرح مكانها، ولا تفقد هويّتها وقد تجاوزت إلى حدّ كبير مخطّطات التهجير التي لم تتخلّ عنها دولة الاحتلال رغم الفشل.
تتبدّل الحكومات، والزعامات، والأنظمة السياسية، ولكن غزّة التي حافظت على دورها التاريخي، ومكانتها ومسؤولياتها الوطنية، ستنجح في تجاوز كل من يتجاوز عليها.
وفق التركيبات المعلنة، نفترض أن اللجنة الوطنية لن تكون وحدها في الميدان لمجابهة الانتهاكات والتدخّلات الإسرائيلية التي لن تتوقّف، إذ ينبغي للوسطاء العرب المشتركين في هذه التراكيب أن يلعبوا دوراً أكثر فاعلية ممّا كان عليه الأمر قبل التشكيل.
هذا الدور المأمول يتأسّس على طبيعة الالتزامات التي قبلت المشاركة على أساسها، كما تتأسّس، أيضاً، على وعي عميق وواضح بأبعاد الدور الإقليمي الذي سيلعبه «السلام العالمي» في المنطقة على خلفية هدف «الشرق الأوسط الجديد».
معلوم أنّ تغيير خارطة الشرق الأوسط تضرب في العمق، الأمن القومي العربي، بالجملة والمفرّق، وما يجري في المحيط: سورية، لبنان، اليمن، الصومال، ليبيا، السودان وأثيوبيا يؤكّد مدى خطورة ذلك الهدف، ما يعني أن المعركة لم تعد فلسطينية حصرياً وإنما تعني المنخرطين في المؤسّسات المستحدثة، وغير المنخرطين.
في سياق متّصل لا بدّ من الانتباه والحذر إزاء المحاولات الإسرائيلية لمواصلة تنفيذ مخطّطاتها في القدس والضفة الغربية تحت غطاء كثيف من الدخان الذي تطلقه حول غزّة وملفّاتها.
في المخطّطات الإسرائيلية إزاء القضية الفلسطينية تحظى الضفة بأولوية قصوى، بهدف فرض السيادة عليها، وتهجير أهلها ربّما عَبر تكرار بعض ما فعله جيش الاحتلال في غزّة باستخدام وسائل الإفقار، والتجويع، وممارسة الضغط الشديد.
وما دام الفلسطينيون قد توصّلوا إلى توافقات وطنية بشأن غزّة وملفّاتها المعقّدة، فإن عليهم أن يواصلوا هذه التوافقات، لحماية وتحصين الحقوق الوطنية في القدس والضفة.