تاريخ النشر: 30 تشرين الثاني 2025


آراء
«الشبيبة» ودماء «فتح» المتجددة
الكاتب: عاطف أبو سيف

شكل انعقاد مؤتمر الشبيبة وانتخاب لجنة لقيادة الذراع الشبابية والطلابية لحركة فتح تأكيداً جديداً على مقدرة حركة فتح على مواصلة العملية الديمقراطية في أطرها التنظيمية المختلفة، وعلى ضخ دماء جديدة في هذه الأطر تحافظ على ديمومة واستمرارية الحركة. لقد كان مشهداً بهيجاً وصورة مشرقة من صور «فتح» حيث تلاقت أجيال الحركة المختلفة في قاعة واحدة تناقش وتبحث في شؤون الحركة عبر شبيبتها الطلابية التي هي أكثر قوى «فتح» المتجددة والقادرة على الحفاظ على وجودها في الشارع وفي فصول الدراسة وحرم الجامعة. كان الجيل المؤسس للحركة المتمثل بالسيد الرئيس حتى جيل الجامعات الذي يقود نضال «فتح» الطلابي ويحافظ على حضورها بين الشبان وتلاميذ المدارس وطلاب الجامعات صفاً واحداً في النظر لمستقبل «فتح». في «فتح» وتحت قبة «فتح» يتساوي الجميع ويجلس الجميع كإخوة. شكراً للشبيبة الفتحاوية التي أضاءت هذه الصورة مرة أخرى. و»فتح» التي طالما آمنت بأن المستقبل منوط بقوتها الأهم «الشبيبة» عملت دائماً على تعزيز دور الشباب ليس في أطر الحركة المختلفة بل وفي مواقع العمل الوطني أيضاً.
لقد كانت الشبيبة فخر «فتح» وستبقى، ومنارة العمل الطلابي والشبابي الفلسطيني وستبقى، وكانت منذ نشأتها في الجامعات الفلسطينية قوة النضال المشتبكة مع الاحتلال في كل المواقع وعززت ورفدت «فتح» بخيرة أبنائها وقادتها في اللجنة المركزية في المؤتمرين الأخيرين (السادس والسابع) وفي المجلس الثوري أيضاً. الشبيبة ليست مجرد ذراع طلابية تناضل من أجل حقوق الطلاب في الجامعات ولا هي مجرد نشاطات شبابية من أجل الترفيه وتزجية الوقت، بل كانت دائماً قوة «فتح» وإطارها القادر على تثوير الجيل الجديد ونظمه في عمل كفاحي ووطني ضمن رؤية «فتح» وبرنامجها التحرري. من تعليق البوستر إلى العمل التضامني إلى الاشتباك مع الاحتلال في كل الساحات وفي كل الظروف كانت شبيبة «فتح» وستظل أحد أبرز الأسماء الحركية لـ«فتح».
تتذكرون أن «فتح» التنظيم الفلسطيني الوحيد الذي تجد كلمة وطن في مكونات اسمه. كل التنظيمات والحركات والجبهات الأخرى تستعين بقاموسها الأيديولوجي والفكري من أجل تكوين أسمائها، وهي قواميس في معظمها تستند إلى معين أكبر لكنه خارج فلسطين، أما في «فتح» فلا شيء خارج فلسطين ولا شيء أكبر منها ولا شيء يمكن أن يعبر عنها أكثر من أنها وطننا. لذلك لا توجد كلمة «وطن» إلا في اسم «فتح». وهذا ليس صدفة؛ فـ»فتح» لم تختر شيئاً آخر أكثر من فلسطين، وهي لا ترى طريقاً أقرب لفلسطين لا يمر عبرها. والقصة مرة أخرى ليست قصة أسماء، لكن لكل شيء دلالة ولكل مقالة إشارة. وبنفس القدر فإن شبيبة «فتح» أيضاً هي الإطار الطلابي الوحيد الذي ينتسب للشباب من اسمه إلى برنامجه الوطني والنقابي. فكل الأطر الطلابية هي جبهات أو كتل أو تجمعات، وأسماء كبيرة، فقط شبيبة «فتح» تعرف نفسها بأنها «شبيبة» لأنها تمثل الشباب وتعمل في صفوفهم وتناضل من أجل الحفاظ على العمل الوطني وتأطيره ضمن هذه الفئة المهمة. والشبيبة التي وجدت في الأساس لتعزيز العمل الوطني والكفاحي في داخل الجامعات في فترة الثمانينيات كان الانتماء لها أمراً خطراً ويعرض صاحبه للاعتقال، وما زال الحال كما هو لم يتغير إذ يتعرض الإخوة في قيادة الشبيبة في الجامعات للاعتقال من سكرتير الشبيبة الأخ حسن فرج الذي كان له دور كبير في إنجاح هذه التجربة الديمقراطية إلى أعضاء الهيئات في الجامعات والكليات. لأن شبيبة «فتح» هي امتداد لمسيرة الكفاح الوطني الذي تشكل «فتح» لهبه الأكثر اشتعالاً، هي مسيرة الشهداء والفدائيين في كل ساحات النضال، وهي امتداد لكتيبة «فتح» الطلابية كما أن استمرارها في الوطن وعملها الدؤوب في مخيمات الشتات هو استكمال لمسيرة «فتح» التي لا تتوقف.
وهنا وجب تذكر شبيبة «فتح» في غزة التي تعمل تحت ظروف صعبة ومعقدة من أجل الحفاظ على العمل الفتحاوي في الجامعات التي هدمها ودمرها الاحتلال. شبيبة «فتح» في غزة التي تعرضت للاعتقال والتعذيب على يد امن «حماس» القمعي طوال سبع عشرة سنة، ظلت قادرة خلالها على العمل. كان  لصق صورة شهيد لـ»فتح» في الجامعة في غزة يعرض من يقوم بذلك للاعتقال، كما كان تنظيم تظاهرة ضد ممارسات الاحتلال في الجامعات يعرض الشبيبة للملاحقة. ومع ذلك، ظلت شبيبة «فتح» في غزة قوتها الثابتة على حضورها. والآن تواصل الشبيبة في غزة عملها في الجامعات وفي العمل المجتمعي لإغاثة الناس بالقدر المتاح والممكن.
شأن «فتح» هو شأن وطني عام، وأي انتخابات لأي إطار في «فتح» هي انتخابات عامة يُسمع صداها في كل مكان ويُشاهد تأثيرها على مناحي الحياة كافة، فهذه «فتح» وليس مجرد أي تنظيم. حين يتم تنظيم انتخابات منطقة تنظيمية لـ»فتح» في أحد الأقاليم تنشغل كل البلاد بتفاصيل الانتخابات ونتائجها ومحاولة التأثير فيها. فقيادة «فتح» في قرية أو مخيم أو حارة في مدينة ينظر إليها الناس بالقدر الذي ينظر فيه عموم الشعب للجنة «فتح» المركزية بوصفها خلية وعقل العمل الوطني الأهم. وحتى أولئك الذين لا يؤيدون «فتح» ولا ينتخبونها يجدون أنفسهم يغوصون في شأنها الحركي ويناقشون ويسألون، فـ»فتح» ليست تنظيما، إنها تنظيم الشعب الفلسطيني. وحين يقول الفتحاويون، إن كل فلسطيني هو فتحاوي بالفطرة فإنهم يقصدون ذلك وعن وعي، لأنهم يؤمنون بأن جوهر العمل الكفاحي وجينه الوراثي الخالص غير المشوب بالأفكار والأيديولوجية يكمن في فكرة «فتح». وانت قد تتفاجأ بأن فلانا جارك عضو مكتب سياسي في تنظيم أو حركة إسلامية أو يسارية فنحن عادة لا نسمع عن انتخابات التنظيمات المختلفة ويبدو الأمر ليس مهماً لكافة شرائح الشعب، عند «فتح» يختلف الأمر فمن قيادة الشعبة في الحارة إلى اللجنة المركزية تخضع «فتح» لنقاش وطني واهتمام شعبي عامين.
من هنا فإن انتخابات شبيبة «فتح» ليست مجرد انتخابات لإطار شبابي ولذراع طلابية لتنظيم فلسطيني بل هي حدث وطني بامتياز. شكراً لقيادة الشبيبة التي أكدت لنا أن «فتح» لا تتوقف عن تجديد دمائها ولا أطرها حتى في أشد لحظات الليل حلكة. وكما في كل مرة يثبت التنظيم الفلسطيني الأهم أنه الأكثر ديمقراطية والأكثر تجدداً دون أن يتغنى برفع الشعارات الكبيرة والبراقة، فـ»فتح» ممارسة وعمل وليست خطابة ولا وثائق ودراسات.