تاريخ النشر: 30 تشرين الثاني 2025


دفاتر الأيام
غسان كنفاني و (جان بول سارتر): هـل تـأثــر الأول بـالـثــانــي؟
الكاتب: عادل الأسطة

كنت في مقال الأسبوع الماضي «حكاية الفلسطيني والجدار» تساءلت إن كان غسان كنفاني تأثر في روايته «ما تبقى لكم» (١٩٦٦) بقصة (جان بول سارتر) القصيرة «الجدار» التي صدرت ترجمتها إلى العربية في (١٩٦٣)، وذكرت أن الإجابة تتطلب كتابة خاصة.
عدت ابتداء إلى كتاب الدكتور محمد عبد القادر «غسان كنفاني: جذور العبقرية وتجلياتها الإبداعية» الصادر عن وزارة الثقافة الفلسطينية في ٢٠٢٣، وكانت طبعته الأولى صدرت عن الدار العربية للعلوم ناشرون في ٢٠١٥، وقرأت فيه الفصل السادس من الباب الثاني؛ الفصل الذي خص فيه رواية «ما تبقى لكم» بالكتابة.
أتى محمد عبد القادر على ما كتبه دارسو الرواية عنها؛ رشاد أبو شاور وعبد الرحمن ياغي وصبري حافظ ورضوى عاشور وعبد الرزاق عيد ويوسف سامي اليوسف ومحمد شاهين ولم يأتِ على كتابة أي منهم عن تأثر غسان بـ (سارتر). لقد أتى أكثرهم على تأثره برواية (وليم فولكنر) «الصخب والعنف» التي ترجمها جبرا إبراهيم جبرا في ١٩٦١ قبل كتابة غسان روايته. ولكن في الصفحة ١٧٧ يذكر محمد عبد القادر الآتي:
«بالمقارنة بين رجال في الشمس وما تبقى لكم من حيث البعد الفلسفي للرؤيا، نجد أن غسان في ذلك الحين كان مسكوناً بالفكر الوجودي، الفكر الذي يعلي من شأن الإرادة والاختيار والوعي والحرية. وما من شك في أن غسان كان يؤمن بأفكار وجودية أساسية...».
وحين عدت إلى مراجع الدارس أنظر فيها لاحظت أنه لم يذكر (سارتر). لقد ذكر مرجعاً وجودياً واحداً لـ (جون ماكوري): «الوجودي» الصادرة ترجمته في ١٩٨٢.
ولو كان غسان كنفاني على قيد الحياة، أو لو كنت في العام ١٩٦٦ قرأت روايته، وكنت ألم بالمرجعيات النقدية التي ألم بها الآن، لسألته إن كانت قصة «الجدار» من قراءاته قبل كتابة روايته، والطريف أن أياً ممن قرؤوه وكتبوا عنه لم يلتفت إلى هذا، والطريف أنني أنا أيضاً لم ألتفت أيضاً إلى التأثر والتأثير، علماً بأنني درست الرواية في الجامعة لسنوات.
وربما يعود السبب بالتأكيد إلى أن الكتابة عن «الجدار» لم تكن من اهتماماتي؛ لأنه لم يكن ذا تأثير عميق في حياة الفلسطيني، كما صار عليه منذ حزيران ٢٠٠٢ وتزايد تأثيره منذ طوفان الأقصى.
إن الجدار لم يكن في حياة الفلسطيني قاتلاً كما هو في السنتين الأخيرتين حيث أصبح مصيدة لقتل المتسللين إلى القدس ليصلوا في المسجد الأقصى أو للعمل في الأراضي المحتلة في العام ١٩٤٨.
يسرد راوي قصة سارتر «الجدار» (بابلو إبيات) قصته وقصص شخصيات أخرى اعتقلتها الفاشية لكي تقدمها للمحاكمة فالإعدام. هو لأنه آوى المناضل (رامون غري) ويعرف مخبأه ويرفض الإفصاح عنه، و(جوان) الذي ينعته بـ «الصغير» الذي يتهم بأنه فوضوي، علما بأنه ليس كذلك، فالفوضوي هو أخوه (جوزي)  «وأنتم تعرفون جيداً أنه ليس هنا. أنا لا أنتمي لأي حزب، ولم أعمل بالسياسة أبداً». ويتكرر نعت (جوان) بالصغير.
عندما يسوقون المتهمين إلى الساحة لإعدامهم أمام جدار في ساحة، يقرر السارد (إبياتا) أن يلعب معهم ليسخر منهم. ولم يكن ليهتم حين قالوا له:
- « إنها حياتك مقابل حياته. نحن سننقذ حياتك إذا قلت لنا أين هو؟».
لقد كان بإمكان (إبياتا) أن ينقذ حياته بتسليم (غري)، ولكنه رفض الإقدام على ذلك، وفضل أن يكون عنيداً ونظر إلى حارسيه بفضول كما لو أنه ينظر إلى حشرات من نوع نادر جداً، وهكذا قدم لهم معلومة خاطئة، ولكن المفاجأة كانت عندما عرف (إبياتا) من (غارسيا) الخباز الذي اعتقل للتو أنهم قتلوا (غري) فقد كان في المحل الذي دلهم عليه - في المقبرة.
كان (غري) استاء من أبناء عمه المختبئ عندهم لما سمعه منهم فغادرهم واتجه إلى المقبرة ليختبئ فيها، وهذا ما لم يخطر في بال (إبياتا).
تنتهي القصة بالسطرين الآتيين:
«كل شيء بدأ بالدوران، ووجدتني جالساً على الأرض؛ كنت أخجل بقوة، إلى حد أن الدموع باتت في عيني».
في رواية كنفاني يتم الإعدام أيضاً أمام جدار، ولكن هناك من التوازي والمشابهة بين الشخصيات والأحداث ما هو أكثر.
كما أن (رامون غري) مطارد ومطلوب وهناك من يعرف مكان اختبائه من المعتقلين ويرفض الإرشاد إلى مكانه حتى لو أعدم، فإن «سالم» أيضاً مطلوب لقوات الاحتلال الإسرائيلي وهناك من يعرفه، فهو بين المعتقلين الذين يقادون للإعدام معه رافضين الإشارة إليه، لولا ضعف «زكريا» الذي خاف من الموت فصرخ:
«- أنا أدلكم عليه»
وهو ما فعله، ما أدى إلى قتل سالم.
(ابياتا) أراد أن يسخر من القتلة، فأرشدهم إلى مكان لم يكن فيه (رامون)، ولكن زكريا خاف، فاعترف إذ كان سالم بين المعتقلين.
النقطة الثانية التي أود الإشارة إليها هي استخدام دال الصغير في قصة «سارتر». هذا الاستخدام تكرر تكراراً لافتاً ليس في «ما تبقى لكم» وحسب، بل في مجموعة «عن الرجال والبنادق» التي كتبها كنفاني بعد ١٩٦٥. أهي الصدفة أم التأثر؟
الموضوع لافت.