|
|
|
آراء |
إسرائيل: هدنة مع حماس في غزة وعدوان على الأرض والناس في الضفة
بقلم: جمال زقوت |
|
 |
|
لاشك أن إسرائيل عملت بصورة مخططة وغذت الأمور نحو دفع قطاع غزة بعيداً، وخلق مناخات تسهم في تغيير ميزان القوى داخله لغير صالح م. ت. ف والسلطة الوطنية ومشروعها الوطني في بناء دولة مستقلة على كافة أراضي الضفة والقدس والقطاع على حدود عام 67. ولعل استراتيجية تدمير مؤسسات السلطة واتهامها بالضعف!، ومن ثم تنفيذ مخطط الجدار العازل والخروج الأحادي من قطاع غزة، وتقديمه باعتباره ليس انجازاً لقوى الاعتدال الباحثة عن حل سياسي شامل لإنهاء الاحتلال والصراع، كل ذلك وغيره من سياسات إنكار وجود الشريك او غياب السلطة الراغبة بالحل، ثم غياب القيادة القادرة على الحل.. كل ذلك مترافقاً مع سياسات الحصار والتجويع وإفقاد الأمل كان بمثابة دفع الأوضاع الداخلية نحو حالة اللاحل لفرض الحل الإسرائيلي، وشكل عملية تغيير متدرجة لتوازن القوى لصالح حركة حماس، فإسرائيل لا ترغب في بلورة قيادة عقلانية اصلاحية مقبولة من العالم، تنافسها في ساحات المجتمع الدولي لمطالبته بتنفيذ إجماعه حول ضرورة إنهاء الاحتلال وقيام دولة مستقلة إلى جانب دولة إسرائيل في حدود عام 67، بل مخططها دوما ارتكز على قتل إمكانية الحل واتهام الشعب الفلسطيني وتحميله المسؤولية عن ذلك، لهذا فان الشريك بالنسبة لها هو الشريك السلبي المرفوض دوليا والمتهم إما بالفساد او "بالإرهاب" أو تشجيعه... حتى تظل قادرة على التفلت من مرجعيات التسوية أو فرض مرجعيات جديدة، او، وهذا الأفضل لها، فرض الحل الإسرائيلي، (أرض أكثر وسكان أقل) فهي تدرك ان قتل حل الدولتين سيفضي إلى استمرار الصراع، وربما لحل الدولة الواحدة ثنائية القومية، وهي تعتبر ذلك الأخطر عليها . اذاً فهي من ناحية لا تريد حل الدولتين على حدود عام 67، ولا يمكن ان تقبل بحل الدولة ثنائية القومية، اذاً فاستراتيجيتها تقوم على حل ما يسمى الدولة المؤقتة داخل الجدار لتكرسه حلاً دائماً، وهذا ما تقبله حركة حماس التي تقوم استراتيجيتها على إنهاء المشروع الوطني وجوهره دولة مستقلة في حدود عام 67 رفض المفاوضات تحت دعاوى رفض الاعتراف، والقبول بالأمر الواقع، وهذا ما تريده إسرائيل فعلياً وتعمل من أجله، وإذا كانت حماس تحدد استراتيجيتها بتغيير المجتمع من خلال السيطرة عليه وإلغاء تاريخ حركته الوطنية، فهذان ايضاً يمثلان المرتكزات الاستراتيجية للسياسة الإسرائيلية الممارسة حتى الان، فهي تعتبر أن مسألة إنهاء الاحتلال تتمثل فقط بانهاء السيطرة على " سكان المناطق التي كانت تديرها وفق المفهوم الإسرائيلي"، وإبقاء السيطرة على أوسع قدر ممكن من الأرض، وهذا جوهر وظيفة الجدار والاستيطان في السياسة الاسرائيلية.
سياستان ورغم ضجيج الصواريخ وتضخيم إسرائيل لأثرها، الا انهما متطابقتان في المضمون.
العقدة الإسرائيلية والسؤال الذي يطرح على مراكز صنع القرار فيها: هل يمكن تدجين "حماس" لتتحمل مسؤولية حماية حل الامر الواقع هذا، وحتى تتأكد من الاجابه عليه، بالنسبة لها لا بأس من ابقاء حالتي الصراع والحل في عملية مناقصة مكشوفة من يدفع اكثر ويقبل بثمن اقل تُرسي عليه العطاء .. عطاء الحل الاسرائيلي، وهي بعد أن تيقنت ان منظمة التحرير لن تقبل بالدولة المؤقتة، فهي تتجه نحو من قد يقبل بذلك، وفي هذا السياق هي تستثمر الانقسام من ناحية، وتسعى لترسيخه، وتصعد عدوانها على الابرياء وتحكم الحصار عليهم الذي يتضرر منه الجميع لكن باستثناء "حماس" التي استمرت في بناء مجتمعها المضاد الخاص القائم على شرايين الانفاق والتهريب والخاوات.
ومن ناحية اخرى، تستمر اسرائيل في تقويض متواصل لقدرة السلطة الوطنية وحكومة فياض وعملية السلام من خلال الاجتياحات والاغتيالات والاستيطان والجدار، ليس فقط لتقويض الجهود الدولية بل لتقويض مصداقية السلطة والحكومة وقوى الاعتدال في المجتمع الفلسطيني.... وهي لا تكترث لكل المواقف الدولية وممثلي الرباعية او الإدارة الأميركية الذين باتوا يعلنون هذه المواقف سواء على لسان بلير اوالجنرال دايتون . وربما حتى الجنرال فريزر كما اشارت الصحف الاسرائيلية.
اذاً، استراتيجية تكريس الانقسام في غزة تتطلب هدنة مع سلطتها الانقلابية، والمزيد من إضعاف قدرة السلطة الشرعية، لابقاء حالة التوازن في مواجهة الانقلاب كما هو لمنع انهائه.... هذا هو جوهر الصفقة التي مهدت لها اسرائيل و"حماس" ، وحتى يتم اخراجها كان مطلوباً أن يكون الدم غزيراً وبطريقة همجية غير مسبوقة منذ عام 67، كما أشار رئيس الحكومة د. فياض، هذه السياسة الاسرائيلية التي تستبدل الاولويات من مفاوضات سياسية تعمل على تفريغها من مضمونها بصفقات امنية، والاستمرار في كسب الوقت لاضعاف الجهود الدولية التي بلورتها خطة انابوليس، وبالتالي اضاعة الوقت حتى نهاية العام 2008 وهو موعد رحيل الادارة الاميركية الحالية، وانشغالها حتى ذلك الوقت بانتخاباتها الداخلية وملفاتها الاساسية في العراق ومع ايران.
اسرائيل ترى في حالة الانقسام والضعف الفلسطيني الداخلي، فرصتها الذهبية ليس لابرام اتفاق وفق الشرعية الدولية ومرجعيات عملية السلام، بل لفرض حلها الاسرائيلي، وحماس تعتبر ذلك فرصتها لفرض مشروعها، ولا بأس من الفقر وغياب الأمن، فهما البيئة التي تمكنها من السيطرة على المجتمع ومصادرة عقول الناس.
أمام ذلك كله، ما هي استراتيجية الحركة الوطنية و م.ت. ف والسلطة الوطنية؟ وما هي البدائل والخيارات التي يجب بلورتها، ربما المدخل الذي تقود جهده الاساسي حكومة السلطة الوطنية، وهو محاولة بناء المؤسسات القادرة على الدفاع عن مصالح الناس وتوفير الخدمات الاساسية التي تمكنهم من الصمود والتقاط الانفاس .
ولكن يبقى الاساس، كيف يمكن دعم توجهات هذه الحكومة، والأهم ما هي الخيارات التي بمقدورها حماية المشروع الوطني من استراتيجيات الاحتلال وأهداف الانقلاب في ذات الوقت ؟
هل هذا ممكن وكيف؟ وهل يمكن للمجتمع الدولي ان يطور دوره ومواقفه بوجود دولي لحماية مستقبل السلام وحق الشعب الفلسطيني في الاستقلال، وحق شعوب المنطقة بالأمن والاستقرار؟.
|
|
|
تاريخ نشر المقال
19 آذار 2008 |
|
|