|
|
|
أطراف النهار |
|
.. أو كما يرانا العدو |
|
 |
|
من هو؟ "موظف قاتم يقود تغييراً ثقافياً ثورياً". ليس سلام فياض قاتماً، أي رسمياً، بربطة عنق.. إلاّ غالباً، فقد ارتدى شورتاً وركض في ماراثون المعاقين في نابلس. قاتم عموماً.. فما هي "التغييرات الثقافية الثورية" التي أدخلها في نظرة تحليلية إسرائيلية معمّقة، وغير معتادة في تناول يتّسم بالخفّة لمحلّلين إسرائيليين آخرين، ترى عيّنات فيلق، المشاركة الكبيرة في "معهد تخطيط سياسة الشعب اليهودي"، أن إسرائيل تُحسِن صُنعاً إلى نفسها، لو أخذت السيد فياض مأخذ الجد. لماذا؟ لأنه يقود انعطافاً فلسطينياً غايته بناء دولة الأمر الواقع الفلسطينية، بمعزل عن موافقة إسرائيل من عدمها، بمفاوضات أو بدونها.
من قبل، كما تقول، تصرّف الفلسطينيون دائماً كـ "مراهقين خالدين" يرون في العالم بأسره مذنباً من الأمم المتحدة حتى الصهيونية ودولة إسرائيل في ما لحق ويلحق بهم من مظالم. ما فعله السيد فياض، خرّيج جامعة تكساس لا خرّيج السجون أو الخنادق، أنه حطّم "ثقافة مريحة" لإسرائيل، عندما قرّر أن على الفلسطينيين أخذ جانب المسؤولية عن صوغ حياتهم، ببناء مؤسسات الدولة، أي كما فعلت الصهيونية التي هيّأت أركان دولتها إسرائيل قبل الإعلان عن إقامتها بقرار دولي.
دعونا نبحث، من جانبنا، عن أسباب عدم استخفاف إسرائيل ببرنامج التمكين لدولة فلسطين. لقد أخذ السيد فياض مصطلحات الخطاب العام الفلسطيني، لكنه ركّز على مفاصل محدّدة. مثلاً: بدلاً من خطاب يقول إن أغوار فلسطين جزءٌ من دولة فلسطين، يقول: لا نريد دولة تحيط بها إسرائيل من جهاتها كافة. هذه دعوة للتفكير من المتلقي الأجنبي، لأنه لا توجد في العالم "دولة في دولة"، ولا دولة تحيط دولة أخرى إحاطة السوار بالمعصم!
مثل آخر: لا يكفي في الخطاب العام المتداول فلسطينياً القول برفض الدولة ذات الحدود المؤقتة، فإذا قلت للعالم إن من حقك أن تبني بنية تحتية في المنطقة (ج)، فإن العالم يغدو أكثر إصغاء للمنطق العادل: إقامة مدرسة مثلاً في المنطقة (ج)، أو إقامة مشروع لتمديد المياه.
مثل ثالث: يقول الخطاب العام السياسي الفلسطيني إن الانتفاضة الثانية اندلعت لأن إسرائيل خالفت منطوق اتفاقية أوسلو التي تنصّ على حل قضايا "الوضع النهائي" بعد خمس سنوات من توقيعها.
صحيح أن الخطاب العام يصف الاحتلال بأنه الأطول في القرن العشرين، لكن الجيّد تذكيره، كما يفعل فياض، بأن هناك مرحلة انتقالية طالت 16 عاماً.
لا يوجد، إذاً، هذا "التباكي" كما تقول في خطاب فياض السياسي ــ الثقافي الجديد. يجب الانصراف، إلى جانب الخطاب الجديد، للاهتمام بجباية أوفى لضريبة المسقّفات أو بشبكة الصرف الصحي، أو بنقطة للشرطة المدنية.
الحقيقة أن لخطاب فياض سقفاً سياسياً بناه رئيس السلطة الثاني (أو الثالث باحتساب المرحلة الانتقالية بعد عرفات) وفاز في الانتخابات بموجبه: مقاومة سلمية شعبية.. نعم، وانتفاضة مسلحة ثالثة (بل ثانية) كلا.
الآن، لنفترض أن فياض كان يابانياً أو أميركياً، ألمانياً أو بريطانياً. الناخب هناك سيصوت "للتغيير" وفق أجندة اقتصادية واجتماعية تقدّم حلولاً للأزمات التي تعني المواطن.
بالنسبة للسيد فياض، كما تقول هذه الباحثة الإسرائيلية، فإن إعلان استقلال فلسطين في موعد ــ هدف غايته العام 2011 أو 2012ليس خطوة عقيمة، قفزة سياسية على الورق، كما في إعلان الاستقلال 1988. نحن شعب على أرضه، وعلينا بناء مؤسسات الدولة عملياً لا في الشعار أو الخطاب السياسي فحسب، أي مقاومة مشروع الاحتلال والاستيطان بمشروع للدولة والاستقلال.
بعد وفاة عرفات، قال محمود درويش أشياء مهمة: لسنا بحاجة إلى عرفات آخر، كان نسيج وحده في مرحلة معينة، بل نحن نحتاج إلى "مديرين". السيد فياض في دور "المدير الأكبر" أو بلغة الشركات الكبرى "المدير التنفيذي" للمشروع.
إنه لا يبعد كثيراً، في الحقيقة، عن "ثقافة المقاومة" الكلاسيكية الفلسطينية، لكنه يدخل عليها تعديلاً، أو سكة جديدة ثانية هي ثقافة "الكينونة" السياسية.
الحقيقة أن "ثقافة المقاومة" الكلاسيكية تتمة لـ "ثقافة التحرير" العربية الشاملة، وهي ثقافة لم تعد تتلاءم والواقع الذي يتطلب الانتقال إلى "ثقافة الكينونة".
فياض "ابن البلد". وليس قائد فصيل.. وكل ما يقوله قاله الشاعر من قبله "هذا وطننا.. ولا وطن لنا سواه". لذلك فالإسرائيليون "مدهوشون.. مشوشون.. وفي بعضهم آملون".. آملون بماذا؟ أن يخلصهم سواهم من ورطة الاحتلال.
حسن البطل
|
| حسن البطل |
|
تاريخ نشر المقال
24 تشرين الثاني 2009 |
|
|