|
|
|
آراء |
"يهودية" الدولة: السياسة الاسرائيلية المناقضة
أشرف العجرمي |
|
 |
|
باستثناءات قليلة جداً، يوجد ما يشبه الاجماع في اسرائىل على أهمية اعتراف الفلسطينيين بيهودية الدولة الاسرائيلية أخذاً بقول رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ان الحل مع الفلسطينيين غير ممكن دون الاعتراف باسرائىل دولة يهودية.
حتى ان السيد نتنياهو لا ينتظر التوصل إلى حل ليشترط هذا الاعتراف بل يريده سلفاً مقابل تجميد جزئي وغير مقبول للبناء الاستيطاني. ويرى الاسرائيليون ان عدم اعتراف الفلسطينيين بالصفة اليهودية لاسرائىل هو انكار لحق الشعب "اليهودي" في دولة خاصة به. والمفارقة العجيبة تكمن في ان المتحمسين جداً ليهودية اسرائيل يؤيدون سياسة عملية مناقضة تماماً لهذه الفكرة.
عندما أقر الفلسطينيون برنامج السلام في الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني العام 8891، قبلوا مبدئياً بقيام دولة فلسطينية إلى جانب دولة اسرائيل، بل ان الاساس الذي تم الاستناد اليه في اعلان الاستقلال هو قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة في العام 1947 الذي ينص على قيام دولتين عربية ويهودية على أرض فلسطين. كما اعترفنا باسرائىل في اتفاق أوسلو في اطار اعتراف متبادل بين منظمة التحرير واسرائيل. وبالتالي فالمطالبة الآن بالاعتراف بيهودية اسرائىل في غير محلها لاسباب كثيرة منها ان دول العالم تعترف بأية دولة ككيان سياسي وليس بتوصيفها، وعندما اعترفنا نحن ودولاً عربية أخرى، اقامت علاقات دبلوماسية مع اسرائىل في اطار اتفاقيات سلام، بدولة اسرائىل فهذا يعني الاعتراف بها كياناً سياسياً يحمل هذا الاسم. وتستطيع اسرائىل ان تسمي نفسها امبراطورية او اشتراكية أو ديمقراطية أو عظمى أو ما شاءت من أوصاف كما هو حال الكثير من الدول. ولكن هذا لا يعني ان العالم يقر بهذه الصفات ويتبناها.
نحن مستعدون للقبول بدولة يهودية على أساس قرار التقسيم أي ان يمنح الفلسطينيون نصف مساحة فلسطين التاريخية تقريباً وفقاً لنصوص القرار، ونقبل في هذا الاطار بتجميع كل الفلسطينيين في دولة فلسطين، فهل يوافق الاسرائيليون على ذلك؟! طبعاً لا بأي حال. فهم يستكثرون علينا 22% من مساحة فلسطين كدولة فلسطينية إلى جانب اسرائيل في اطار اتفاق سلام شامل ونهائي.
والسبب الثاني لعدم قبول الفلسطينيين بالاعتراف باسرائيل كدولة يهودية هو وجود اقلية فلسطينية تمثل أكثر من 20% من سكان اسرائيل. فهذا يعني من الناحية العملية اننا نقبل بمصادرة حقوق كل الفلسطينيين في اسرائيل أو بقاء التمييز العرقي والعنصري والديني قائماً فيها. ولا يعقل ان يقبل اي فلسطيني بالاجحاف بحقوق جزء مهم من الشعب الفلسطيني صاحب الأرض الأصلي. ثم ان هناك جدلاً واسعاً في اسرائيل وخاصة مع الاقلية الفلسطينية حول طبيعة الدولة الاسرائيلية التي تسمي نفسها الآن دولة الشعب اليهودي، هل هي دولة يهودية خالصة ولا مكان فيها لغير اليهود أم دولة ثنائية القومية أم دولة لكل مواطنيها، ديمقراطية حقيقية يتساوى فيها المواطنون بغض النظر عن أصلهم أو دينهم.
الافضل لاسرائيل ان تبتعد عن اي توصيف مناقض لروح العصر يعكس شعوراً بالملاحقة التي لم تعد قائمة بسبب تغير المجتمع الدولي وايضاً بسبب قوة اسرائيل ومنعتها والحماية الدولية التي تحظى بها. ثم لماذا يطلب هذا الشرط من الفلسطينيين تحديداً ولم يطلب من أية دولة أخرى بما فيها الدول العربية التي صنعت سلاماً مع اسرائىل وبينها اتفاقات سلام قائمة اساساً على الاعتراف بدولة اسرائيل مقابل ارجاع الأرض.
بعض الاسرائيليين يعتقدون ان الاعتراف بيهودية الدولة معناه قبول الفلسطينيين بحل لقضية اللاجئين في الدولة الفلسطينية أو في دول أخرى غير اسرائيل. وبعضهم الآخر يرى في ذلك مقدمة لتنفيذ عملية ترانسفير كبرى يتم في اطارها ترحيل الفلسطينيين الموجودين في اسرائيل إلى الدولة الفلسطينية أو القيام بعملية تبادل للأراضي تؤدي إلى ضم أرض مع سكانها الفلسطينيين في اسرائىل مقابل احتفاظ اسرائيل بالمستوطنات في الضفة الغربية وضمها لاسرائيل.
على كل الاحوال هذا جدل لا ينتهي، ومن المرشح ان يكون الشرط الاسرائيلي التعجيزي مطروحاً على طاولة النقاش لفترة طويلة كوسيلة لتهرب اسرائيل من استحقاقات العملية السياسية. فالحقيقة الأهم التي ينبغي على الاسرائيليين استيعابها هي ان الحفاظ على الوضع القائم في اسرائيل أي وجود أغلبية يهودية كبيرة مرتبط أساساً بحل القضية الفلسطينية وليس بأي شيء آخر. حتى قضية اللاجئين الفلسطينيين لا تهدد الاغلبية اليهودية في أي حل قادم لسبب بسيط هو ان العرب جميعاً قبلوا مبدأ حل هذه القضية على أساس القرار 194 وفي اطار اتفاق مع اسرائيل "حل عادل ومتفق عليه" أي ان اسرائيل ينبغي ان تكون طرفاً في أي اتفاق، وهذا يعني ان اسرائيل لن توافق بالتأكيد على حل يهدد بشكل جذري التركيبة القائمة فيها. المهم ضمان حق كل لاجئ في العودة واختيار المكان الذي يرغب في العيش فيه.
الخطر الحقيقي الأساسي الذي يهدد الاغلبية اليهودية في اسرائىل هو الاستيطان في الاراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967 ومنع قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، لأن استمرار البناء الاستيطاني وتوسيع المستوطنات القائمة وبناء مستوطنات جديدة سيجعل من اقامة دولة فلسطينية متواصلة اقليمياً وقابلة للحياة ومقبولة على الشعب الفلسطيني تنفيذاً لمبدأ حل "دولتين لشعبين"، الذي قامت عليه العملية السياسية بين الجانبين، أمراً متعذراً وغير واقعي، ان لم يكن مستحيلاً.
الوقت يمر بسرعة، والحقائق التي تفرض على أرض الواقع تجعلنا جميعاً أمام وضع قد نجد انفسنا فيه عالقين أمام أحد ثلاثة خيارات: إما دولة "ابرتهايد" يكون فيها اليهود الاسرائيليون هم الأسياد والفلسطينيون العبيد غير متساويي الحقوق، أو دولة ثنائية القومية لليهود والعرب الفلسطينيين، أو دولة ديمقراطية موحدة لكل مواطنيها. وبما أن الاسرائيليين يصرون على يهودية الدولة فالخيار الأكثر واقعية هو تحول فلسطين التاريخية إلى دولة "ابرتهايد"، وهذا يعني استمرار الصراع بصورة مفتوحة وبداية النهاية لفكرة الدولة اليهودية.
اذا كان الاسرائيليون حريصين على ضمان أغلبية يهودية في اسرائىل عليهم ان يسارعوا إلى وقف الاستيطان والتوصل فوراً إلى حل يضمن قيام دولة فلسطينية مستقلة وقادرة على البقاء إلى جانب دولة اسرائيل، فاستقلال اسرائيل الحقيقي والسلام والأمن مرتبطة جميعاً بحصول الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة.
عنصر الوقت لا يعمل لصالح اسرائيل، حتى لو كانت قادرة على فرض حقائق استيطانية على الأرض فالمستوطنات ستكون العبء الأكبر على اسرائىل قبل غيرها. لانه في نهاية المطاف لن يتمكن الاسرائيليون لو أرادوا وعملوا من أجل ذلك من طرد الفلسطينيين أو الغاء حقهم في دولة خاصة بهم، وعندما يتعذر انشاء دولة فلسطينية مستقلة فسيكون الجميع مضطرين للتفكير بخيار الدولة الواحدة التي ربما تكون قائمة على أرض الواقع دون اعلان أو اختيار، فهل هذا يساعد اليهود ويضمن لهم دولة ذات اغلبية يهودية؟!
|
|
|
تاريخ نشر المقال
16 أيلول 2009 |
|
|