|
|
|
آراء |
أوباما : اقتربت ساعة الحقيقة
محمد ياغي |
|
 |
|
جميعنا ربما، قد سمع بقصة جورج بوش الأب، الذي طالب من وزير خارجيته جيمس بيكر أن لا يتركه وحيداً مع إسحاق شامير. فالأخير كان فيه من التعصب والعنصرية- والوضوح في نفس الوقت، ما يكفي لتنغيص حياة "سيد البيت الأبيض" وإحراجه أمام أصدقائه العرب برفضه الذهاب لمفاوضات مدريد التي وضعت (بضم الميم) أسسها أصلا على أرضية شروط، كانت إسرائيل هي من أصر عليها بعد حرب حزيران، وتحديد أن تكون المفاوضات ثنائية- حتى تستفرد بكل طرف- وأن تكون مبنية على قرار مجلس الأمن 242. ولم يكن أمام بوش الأب خيار، انتصاراً على الأقل لكرامته ــ بعد النصر المبين على العراق ــ إلا أن يلوح لشامير بقرار تجميد الولايات المتحدة لضمانات قروض لإسرائيل بقيمة عشرة مليارات دولار.. أتبعها، جيمس بيكر بكلمات حادة وساخرة، قال فيها أمام لجنة للكونغرس "عندما ترغب إسرائيل بالسلام فإن لديهم رقماً تلفونياً". إسرائيل قررت عدم "العناد" والخضوع لرغبة البت الأبيض، لكنها قررت إبقاء المفاوضات مفتوحة الى الأبد.
كلينتون، من جانبه، كان صديقاً حميماً لإسرائيل، لكنه أيضا كان يدرك أهمية تسوية الصراع العربي ــ الإسرائيلي للحفاظ على مصالح الولايات المتحدة وعلى إسرائيل نفسها. في واي ريفير انفجر كلينتون في وجه نتنياهو بعد أن تحدث الاخير أمامه كزعيم "مافيا" مع الرئيس عرفات الذي غادر بدوره الاجتماع الثلاثي انتصار لكرامته واحتجاجاً على ما سمع. تقول اولبرايت أن وجه كلينتون تحول الى الأحمر من شدة الغضب، وأنه وجه كلمات حادة لنتنياهو لأنه بحديثه ذلك قد "صغر" رئيس الدولة الوحيدة العظمى في العالم وأراد أيضا أن يحوله الى شريك في طلبات لها طبيعة "إجرامية".
نصف ساعة من "زعل وغضب كلينتون" حولت نتنياهو الى "فأر" مرتعد وساهمت هذه "الغضبة" كما يقول "دنيس روس" في تذليل العديد من العقبات أمام طريق اتفاق واي ريفر، والاتفاق على أية حال لم يكن مريحاً للفلسطينيين، فقد جاء أقل بكثير من توقعاتهم.. لكن المهم أن كلينتون غضب لنفسه قبل أن يغضب للفلسطينيين، وغضبه كان بفائدة الى حد ما.
كلا الرئيسين، بوش الاب وكلينتون، ورثا من حقبة ريغان "ان المستوطنات عقبة في طريق السلام"، مع العلم بأن السياسة الاميركية وسابقا لريغان كانت تعتبر المستوطنات "غير شرعية" ويجب إزالتها.
جورج بوش الابن، كان مختلفاً عن أبيه.. عندما اجتاحت إسرائيل الضفة الغربية للمرة الاولى في كانون الأول 2001 خرج الى الإعلام ليطالب إسرائيل بضبط النفس والانسحاب.. في إسرائيل قالوا بأن بوش لم يقل الانسحاب "فوراً".. عندما قام الناطق باسم البيت الأبيض بالتوضيح بأن بوش يقصد الانسحاب الآن وفوراً وحالاً، قام شارون بتجاهل ذلك ولم ينسحب إلا بعد أسابيع وتمهيدا لإعادة احتلال كامل مناطق السلطة (ألف) في 28 آذار العام 2002. لم يحاول بوش الانتصار لكرامته الشخصية، ولا لهيبة الدولة العظمى التي يمثلها، واكتفى بالاختفاء عن الإعلام.. بعدها أصبح يردد ما تردده زعامة إسرائيل كببغاء.
شارون المتهم من لجنة تحقيق إسرائيلية "لجنة كاهنا" بالمشاركة الضمنية في مذبحة صبرا وشاتيلا، أنعم عليه بوش الصغير بلقب رجل سلام، وأعطاه المباركة على انسحاب أحادي الجانب من غزة مشفوعاً بوثيقة ضمانات لحماية مستقبل المستوطنات والاستيطان في الضفة الغربية.
باراك أوباما عليه أن يختار بين النماذج الثلاثة.. بوش الأب الذي "جر" شامير مكرهاً لمؤتمر مدريد.. كلينتون الذي قال بأن "نتنياهو يعتقد بأنه هو زعيم الدولة العظمى وليس أنا".. أو نموذج بوش الصغير الذي كان يختبئ خلف الحرب على الإرهاب لتبرير انحيازة المطلق لإسرائيل.
أوباما هو الدي أعاد تعريف السياسة الاميركية بشكل متوازن.. هو من أعاد استخدام المصطلحات الى ما كانت عليه قبل ريغان عندما وصف الاستيطان بأنه غير شرعي جاعلاً من وقفه في الارض المحتلة جميعها، بما فيها القدس هدفاً له وهو من أعاد التذكير بأن أصل الصراع ليس حرب حزيران وإنما مأساة التهجير للفلسطينيين العام 1948، وهو من أوضح بجلاء بأن وضع نهاية للصراع العربي الاسرائيلي وفي مقدمته الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يساهم والى حد كبير في القضاء على الإرهاب، رافضاً الافكار التي تفصل ما بين الصراع مع إسرائيل وظاهرة الإرهاب العالمي.. وهو من جعل من إنهاء هذا الصراع غاية له لمصالحة العالمين العربي والإسلامي.
بعد ذلك، ما يتوقعه العالم العربي من الرجل بأن يكون أميناً على تصريحاته وخطاباته وان يلتزم بها.. أن ينتصر لنفسه ولهيبة الدولة التي يرأسها، لا أن يتراجع أمام اليمين الإسرائيلي المتطرف والكاره للسلام مع العرب.
المؤشرات الى الآن تفيد بأن جورج ميتشل لم يتمكن من الحصول على موافقة إسرائيل على التوقف عن بناء مستوطنات جديدة أو توسيع القائم منها.. الأخبار تفيد بان إسرائيل ستقوم باستكمال بناء 2500 وحدة سكنية جديدة في الضفة قبل أن تقرر تجميداً مؤقتاً للاستيطان، فيما ستستمر بالبناء في القدس وتهويدها، وستحصل مقابل ذلك على تطبيع مع بعض العرب.
هنالك مخاوف من تسويق هذا الاتفاق مع إسرائيل على انه انتصار لنهج أوباما وسياسته.. يقيناً بأن هنالك من سيقول بأن ذلك "أحسن من بلاش"، وهنالك من سيدعي بأنها "خطوة أولى ستليها خطوات أثناء المفاوضات"، وفريق آخر قد يقول "دعونا ننقذ ما هو متاح الآن".. سيكون هنالك كلام و"لغط" من جميع الانواع، لكن الحقيقة التي لن يكون بالإمكان إخفاؤها بأن هذا ليس ما وعد به أوباما، وليس ما يتوقعه العرب والمسلمون منه، وبأن هذا الاتفاق مع إسرائيل لا ينسجم مع ما قاله وصرح به مراراً وتكراراً.
ساعة الحقيقة تقترب كثيراً وسنعلم جميعاً بعدها إن كان أوباما سيوجه دعوته لاستئناف المفاوضات على أرضية غير تلك التي بنت عليها رام الله ومعها معسكر الاعتدال في العالم العربي آمالهم، أم لا.. ومعها سيظهر إن كان أوباما سياسياً قديراً، حريصاً على مصداقيته ومكانة دولته العالمية، أم مجرد تلميذ صغير في حضرة نتنياهو "رئيس الدولة العظمى".
|
|
|
تاريخ نشر المقال
11 أيلول 2009 |
|
|