|
|
|
دفاتر الأيام |
فارس السيف والقلم
وليد أبو بكر |
|
 |
|
في كانون الثاني 1990، قام الرئيس الراحل ياسر عرفات بتكريم عدد من المبدعين الفلسطينيين، في احتفال كبير، أقيم في القاهرة. بعض الموجودين استغربوا غياب الشاعر برهان الدين العبّوشي عن المناسبة، فتصور آخرون أنه انتقل إلى رحمة الله، وأكد آخرون نقيض ذلك، حتى حسم الأمر من قبل الذين التقوه، في الفترة الأخيرة، ومن بينهم العزيز الراحل جبرا إبراهيم جبرا، فكان قرار الرئيس أن يكرم الشاعر في بغداد، وهو ما فعله بعد أكثر من عام، حين كانت بغداد وسط أزمة الخليج الأولى.
كنت التقيت الشاعر قبل بضعة شهور من المناسبة القاهرية، وكان ذلك هو لقائي المتأخر به، بعد لقاءاتي المتعددة به (بصفته ابنة عمتنا) في منتصف الخمسينيات، في جنين، حين عاد زائرا من العراق، حيث كان يعيش ويعمل، منذ النكبة.
في ذلك الوقت من مطلع العمر، كانت الآمال كبيرة، في النضال وفي الأدب، وكان برهان الدين العبّوشي، أنموذجا في الاتجاهين.
في تلك الفترة، قرأت ديوانه الأول "جبل النار"، وشعرت بحجم الالتزام بالوطن، الذي يشعّ من ثنايا شعره الحماسيّ. لكنّ ما سرّني من اللقاءات، سيرة كان يرويها الشاعر، بحماسة شديدة، وحزن شديد، عن حياته في النضال المسلّح، الذي سجنه الإنجليز بسببه، ونفوه، وهرب وتشرد، ليحطّ الرحال في العراق، ويشارك في ثورة رشيد عالي الكيلاني، ويجرح، ثم يتشرّد من جديد، حتى سنوات النكبة، حين يتسلل إلى وطنه، ويشارك في معركة جنين، بلده، ويجرح من جديد، في المعركة الوحيدة التي يمكن أن تسجّل كنصر، والتي سجّلها، في وقتها، في مسرحه الشعريّ، قبل أن يعود إلى العراق الذي يحبّ، ليعمل ويتزوّج ويتجنّس، ويستمرّ هناك حتى وقت رحيله 1995.
برهان الدين العبوشي، ينتسب إلى جيل من الشعراء الفلسطينيين الذين ربطوا القول بالفعل، وحملوا القلم إلى جانب السلاح، واستشهد بعضهم في أرض المعركة، وجرح آخرون، كان هو واحدا منهم، لدرجة قيل معها إن أيّ جزء من جسمه لم يسلم من الشظايا.
لكنّ العبوشيَّ واحد ممن وقع عليهم النسيان، من جانب وطنه، أدباء وغير أدباء، في زمن كرّم فيه بعض من لم يسمع بهم أحد، على الرغم من أنه يتمتع بالرّيادة الأدبية، خصوصا في المسرح الشعريّ، فلسطينياً وعربياً، كما أنه يتسامى بالوطنية الصادقة، وبالنضال الذي لا يكلّ، وبالشعر الذي يصلح أن يكون سجلاً لأحداث فترات عاصفة في التاريخ الفلسطيني، والعربيّ، كما أنه يبرز حسّ النبوءة والتحذير مما هو آتٍ، اللذين ميّزا شعراء جيله كلّه، خوفا على الوطن من الضياع، وهو ما عبّر عنه الشاعر بوضوح في مسرحيته الأولى (شبح الأندلس)، حين رأى هذا الشبح يحطّ فوق أرض فلسطين.
"مَنْ خلّفَ ما مات"، كلمة يمكن أن تقال بمناسبة صدور الأعمال الأدبية الكاملة لهذا الشاعر المناضل، كلمة وفعلاً، لأن ولده كان وراء الجهد الذي تكفّلت به مؤسسة فلسطين للثقافة، في دمشق، وأصدرته من خلال الحملة الأهلية لاحتفالية القدس عاصمة الثقافة العربية 2009.
جاء إصدار "فارس السيف والقلم" بشكل يثلج الصدر، لأنه فوق كلّ شيء يجمع آثار الشاعر في مجلد واحد: من دواوينه الأربعة، إلى مسرحياته الأربع، التي صدرت أولاها 1947، فزامنت المسرح الشعريّ العربي في تجاربه الأولى، إلى مذكراته الشخصية، التي حملت صوتاً شعرياً وطنياً منذ عنوانها: "من السفح إلى الوادي ـ ألبي صوت أجدادي"، ولأنه بعد ذلك أثرٌ شديد الأهمية في تاريخ الكتابة الفلسطينية الممتدة خلال ستين عاما من القرن الماضي، الذي حفل بكل مآسي الشعب الفلسطيني، وأحبط تطلعاته.
هذا الإصدار يستحقّ أن يصل إلى كلّ يد فلسطينية تهتمّ بالتراث الشعري، والوطنيّ، وتهتمّ بالبحث عن الجذور الأولى لكل ما يؤكد عمق الثقافة الفلسطينية في التاريخ، وعمق ارتباطها بالأرض والناس، في زمن لا تجد فيه هذه الثقافة من يسندها، ولو بالنوايا الطيبة.
|
|
|
تاريخ نشر المقال
14 شباط 2009 |
|
|