آراء

ينبغي ألا يقع الفلسطينيون في هذا الشَرك مجدداً!

بقلم

2015-10-19

سام بحّور


لم يزل برميل البارود في الأراضي الفلسطينية التي تحتلّها إسرائيل -الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة- يهتز لعدة سنوات. إذ إن الفلسطينيين من جميع مشارب الحياة بُحّ صوتهم وهم يحاولون أن يوضحوا بأن الحكومة الإسرائيلية اليمينية -بوزرائها الكثيرين الذين يقطنون في المستوطنات غير القانونية وبرئيس وزرائها المتطرّف- تنتهج سياسات من شأنها أن تفضي حتما وبالضبط إلى ما نشهده اليوم، ألا وهو العنف.
ولكن لم يستمع لذلك سوى عدد قليل جدا.
لقد بنى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مسيرته السياسة برمّتها على برنامج انتخابي يقوم على العنف ضد الفلسطينيين. إذ إنه في الفترة التي سبقت انتخابه للمرّة الأولى رئيسا للوزراء عام 1996، سخر علنا وبشدّة من رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك اسحاق رابين لإبرامه اتفاقية سلام انتقالية مع منظمة التحرير الفلسطينية. وشكّلت البيئة السامة التي تولى في ظلّها نتنياهو مهام منصبه – ولو جزئيا - الباعث الدافع خلف إقدام متطرّف يهودي على اغتيال رابين. ويتباهى نتنياهو بكونه القائد الذي أوقف فجأة عملية السلام في مسارها. وضمانا لئلا يحظى السلام بفرصة، سرّع نتنياهو من وتيرة البناء الاستيطاني في الضفة الغربية، وهاجم غزة مرّات عديدة، وهدم عددا أكبر من منازل الفلسطينيين، واعتقل فلسطينيين -بمن فيهم قاصرون- غالبا دون أن تُوجَّه لهم أيّ تهم، ولم يحاكم المستوطنون اليهود الذين أحرقوا مؤخرا إلى الموت عائلة فلسطينية فيما كان أفرادها ينامون في منزلهم.
ولكن لماذا كما يتّضح تلتمس إسرائيل العنف؟ إن الإجابة على هذا السؤال بسيطة بالنسبة للمرء الذي يتابع الصراع. إذ ليس في جعبة إسرائيل سوى رد واحد على الكفاح الفلسطيني من أجل الحرية والاستقلال، حيث يكمن هذا الردّ في استخدام إسرائيل لآلتها العسكرية التي تعمل بكفاءة لسحق أيّ فلسطيني يحاول أن يقاوم الاحتلال. ومنذ العامين 1948 و1967 دأبت إسرائيل بانتظام على شنّ الحرب واستخدام العنف من أجل مصادرة المزيد من الأرض مجبرةً الفلسطينيين على اللجوء إلى العنف أو الهجرة.
وخلال السنوات القليلة الماضية وجدت إسرائيل ذاتها في ورطة إستراتيجية. إذ حوّل الفلسطينيون مسارهم وشرعوا بالعمل متّبعين وسائل غير عنيفة، حيث يدعو الفلسطينيون ذلك بـ"المقاومة الذكية". وتساهم أدوات المقاومة الجديدة التي يستخدمها الفلسطينيون -من قبيل الدعوة إلى مقاطعة البضائع الإسرائيلية وسحب الاستثمارات من الشركات الإسرائيلية وحثّ الدول على تطبيق العقوبات على إسرائيل- في إحداث هذا التحوّل في الإستراتيجية. وفضلا عن ذلك، دعت القيادة الفلسطينية بقيادة الرئيس محمود عباس بصورة حثيثة الفلسطينيين إلى اعتماد أساليب المقاومة غير العنيفة. ونتيجة لهذا الموقف، لم يتوفر سوى مجال محدود أمام إسرائيل لكي تشنّ هجمات متجددة واسعة النطاق في الضفة الغربية. ومع ذلك، يبدو أن إسرائيل تتأهّب حاليا لاستغلال الأيام القليلة الماضية التي سادها العنف كتبرير لكي تشنّ حملة شعواء أوسع نطاقا وتوسّع من نطاق سيطرتها. وفي الوقت الحالي تؤسس إسرائيل للرواية القائلة بأنها ترد على العنف الفلسطيني، فيما باتت الاشهر الماضية والتي قادت إلى هذه المرحلة والتي استخدمت فيها دولة إسرائيل ومستوطنوها العنف طيّ النسيان.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، شهد عام 2012 رفع مكانة فلسطين إلى دولة غير عضو بصفة مراقب في الأمم المتحدة ورُفعَ مؤخرا العلم الفلسطيني على مقرّ الأمم المتحدة متّخذا بذلك مكانه إلى جانب أعلام الدول الأخرى. ولقد كان الاتجاه الذي اتّبعه الفلسطينيون سعيا لنيل حرّيتهم واستقلالهم في هذا المضمار واضحا بالنسبة للجميع. إذ أنهم -أي الفلسطينيين- توصلوا إلى فهم مفاده بأنهم لن يتمكّنوا من التغلّب على إسرائيل في لعبة العنف التي تجيدها، وتوجّهوا إلى استخدام وسائل أخرى للمقاومة يمكنها أن تفرض تحدّيا جديّا على إسرائيل. وفي الواقع، أقرّ مدير شعبة السياسة والشؤون السياسية العسكرية في وزارة "الدفاع" الإسرائيلية اللواء احتياط عاموس جلعاد بذلك عندما قال : "لا نجيد التعامل مع تجربة [المهاتما] غاندي [في المقاومة المدنية السلمية]."
وتعرف إسرائيل أكثر من الجميع بأنه إذا ما فُسح المجال أمام الفلسطينيين للانخراط في المقاومة غير العنيفة، فإنهم إلى حد بعيد سوف ينجحون في حشر إسرائيل في الزاوية وإماطة اللثام عن الوجه الحقيقي للاحتلال الذي يتمثّل بكونه نظام فصل عنصري حديث أو أسوأ من ذلك.
وما انفكّ المجتمع الدولي يراقب الوضع، بما في ذلك الولايات المتحدة حيث يتم تلمس الاحساس الشعبي في أوساط الحزب الديمقراطي تحولا سريعا نحو دعم الفلسطينيين في سعيهم لنيل حريتهم والتمتّع بحقوقهم. ولكن وباستثناء الإجراءات المحدودة التي اتّخذَت دعما للفلسطينيين في مسعاهم من قبيل إصدار الاتحاد الأوروبي لمبادئ توجيهية للحيلولة دون تمويل الأنشطة الاستيطانية، أتيح المجال أمام إسرائيل لكي تتمادى كثيرا في سياسة الإفلات من العقاب، فيما واصل شركاء إسرائيل التجاريون مساندتهم المالية لواقع الاحتلال العسكري غير المستدام.
ليست هذه المرة الأولى التي استدرجت فيها إسرائيل الفلسطينيين إلى مواجهات عنيفة. ففي الواقع اتّخذ ذلك منحى الوتيرة الدورية ، كما لو أن إسرائيل ترغب بأن يتناول كل جيل من الاجيال الفلسطينية جرعة من سياسة "القبضة الحديدية" التي تنتهجها.
ينبغي علينا -نحن الفلسطينيين- ألا نقع في هذا الشَرك. لقد اتّبعت إسرائيل منذ نشأتها مسارا واحدا للسياسة حيال الصراع تمثّل في قضم أكبر مساحة ممكنة من الأرض مع أقل عدد ممكن من السكان الفلسطينيين. ولقد انطبق هذا المسار الذي اتّبعته إسرائيل على حيفا ويافا في عام 1948 وينطبق أيضا في الوقت الحالي على الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة.
إن المقاومة الذكية (غير العنيفة) ليست شعارا، إنما هي مسار واع نحو الحرية والاستقلال. ينبغي علينا -نحن الفلسطينيون- أن نبقى واعين تماما بالجوهر السياسي للإجراءات التي تتّخذها إسرائيل. إذ أن استدراج جيل آخر من الشباب الفلسطينيين المحرومين من حقوقهم إلى الحواجز العسكرية الإسرائيلية التي تحيط مدنهم -حتى ولو كان ذلك بواسطة الحيلة الاسرائيلية بإقدام الجنود الإسرائيليين المستعربين على التنكّر في زيّ الشباب الفلسطينيين وإلقاء الحجارة نحو الجنود الإسرائيليين الذين يرتدون الزيّ الرسمي لاستدراج المتظاهرين الحقيقيين نحو القيام بالمثل. فلكي تخفي إسرائيل جرائمها، فإنها تحتاج لأن تغذي القوالب النمطية الغربية بأكملها التي تصوّر الفلسطينيين بكونهم عنيفين ودون مرتبة الإنسان بدلا من حقيقة انهم توّاقون إلى نيل الحرية والتمتّع بالحقوق المتساوية. ومع ذلك، تجد إسرائيل صعوبة متزايدة في تغطية جرائمها نظرا لامتلاك كل فلسطيني هاتف خليوي وهو من اهم الوسائل الكفيلة بتوثيق انتهاكات الاحتلال في الوقت الحقيقي.
في ظلّ هذا التدهور الأخير، لا يُوارَى فلسطينيون في ريعان الشباب الثّرى فحسب، وإنما يُحال النموذج السياسي المتمثّل بحلّ الدولتين بكامله إلى صفحات كتب التاريخ. أما في المرحلة القادمة فلن يختفي الفلسطينيون ولن تنجح إسرائيل في إخضاعهم، ولكن سيولَد جيل جديد من الفلسطينيين متسلّحين بالتاريخ وعاقدين العزم على انتزاع تحرّرهم من مَن يعترض طريقهم أيا كان.

يعمل الكاتب مستشارا للسياسات في شبكة السياسات الفلسطينية (الشبكة) ورئيس مجلس إدارة منظمة "أمريكيون من أجل اقتصاد فلسطيني نابض (AVPE)". ويمكن معرفة المزيد عنه والاطّلاع على مقالاته من خلال تصفّح مدّونته على الموقع الإلكتروني التالي.
www.ePalestine.com

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: