ازدياد النقاش الفلسطيني لحل الدولة الواحدة

2015-06-11

بقلم: د. هرئيل حورب
إلى جانب حضور حلم الدولتين في التفكير الفلسطيني في العقود الاخيرة، استمر دائما النقاش الفلسطيني الذي يرفض تقسيم البلاد. هذا النقاش، الذي هو نخبوي بالأساس، يستند الى منهجين أساسيين: الاول مقرون بجزء من المعسكر الوطني، بما في ذلك التيار المركزي في منظمة التحرير، الذي لم يسقط أبدا فكرة الدولة الديمقراطية الواحدة كبديل ممكن يضمن فيها التساوي في الحقوق لابناء جميع الاديان.
المنهج الثاني ميز أوساطاً اسلامية، بينها «حماس»، «الجهاد الاسلامي»، وتيارات سلفية، ممن اعتبروا وما زالوا يعتبرون أن تقسيم البلاد يعني التنازل عن أرض اسلامية. يمتد هذا الحلم الإسلامي من التيار الاسلامي المطالب بطرد اليهود وحتى التيار الذي يؤيد دولة يعيش فيها اليهود والنصارى تحت حكم المسلمين.
تطور في السنوات الاخيرة نقاش مستجد حول مسألة الدولة الواحدة، وهو يهم اساسا سكان الضفة الغربية، لان المسألة تهم الضفة الغربية اكثر من قطاع غزة بسبب المطالب الاسرائيلية في الضفة (مثل موضوع المستوطنات والقدس). وتشترك في هذا النقاش أوساط وطنية ايدت في الماضي حل الدولتين، بينهم رئيس الحكومة سابقا أحمد قريع، والوزير الاسبق، نبيل شعث، ووزير الداخلية الاسبق، نصر يوسف، وسري نسيبة، الذي هو من معدي مبادرة جنيف.
الجديد في الأمر هو أن النقاش يشكل صدى للحوار الشامل الذي يعكس على ما يبدو تطويرا لفكرة الدولتين وفي الوقت ذاته ترسخ فكرة الدولة الواحدة ايضا في اوساط قطاعات واسعة من الجمهور الفلسطيني، ويجد الامر تعبيره في حوار نشط على الشبكات الاجتماعية، وإقامة منتديات عامة تناقش هذه المسألة والتأييد الجماهيري الآخذ بالازدياد لهذه الفكرة، رغم أنه حتى الان لا توجد أغلبية لهذا الامر.
وفي كانون الاول 2011 على سبيل المثال ايد 30 في المئة من سكان الضفة الغربية فكرة الدولة الواحدة. وفي اذار 2013 أيد 31 في المئة، وفي نيسان 2015 أيد 33 في المئة. يمكن الاعتقاد بأن التغيير لم يحصل في أوساط الإسلاميين، الذين بقوا متمسكين بفكرة الدولة الواحدة، انما في اوساط التيارات الوطنية بفعل التغيرات الداخلية والاقليمية.
أولا وقبل كل شيء فإن التوقعات بأن الدولة الفلسطينية ستقوم في السنوات القريبة إلى جانب دولة اسرائيل، في الشارع الفلسطيني كما في الشارع الاسرائيلي، منخفضة؛ لكن ما زالت هناك اغلبية لحل الدولتين تتحرك بين 65 في المئة حتى 70 في المئة (حسب معطيات المعهد الفلسطيني للابحاث بادارة خليل الشقاقي).
وكما في إسرائيل، فان معظم الفلسطينيين (حوالي 60 في المئة) لا يؤمنون أن هذا الحل سوف يتحقق، وجولة المباحثات الاخيرة التي اجريت بين اسرائيل والفلسطينيين في آب 2013 حتى أيار 2014 لم ترفع التوقعات، وقوبل فشلها بنوع من اللامبالاة التي عكست اليأس؛ الامر الذي حسب الاستطلاعات تعمق أكثر في اعقاب نتائج الانتخابات الأخيرة في اسرائيل.
السب الثاني هو الشرخ الفلسطيني الداخلي الذي يعطي الجمهور الفلسطيني الشعور بقلة الحيلة، ويمنع من الناحية العملية اقامة قاعدة سياسية متفقا عليها من أجل التقدم باتجاه الحل. لا ينعكس هذا الشرخ فقط في العلاقات الصعبة بين «فتح» و»حماس» وإنما يميز ايضا الساحة الداخلية لكل واحدة من الحركتين، فالتوتر بين القيادة السياسية لـ «حماس» وبين ذراعها العسكرية وصل قمته بعد عملية «الجرف الصامد» من أجل ميل الاخيرة للعودة الى خط المواجهة الذي تقوده ايران، والذي تركته «حماس» منذ العام 2012. تطالب القيادة السياسية بالمقابل بالاستناد الى النظام السعودي بقيادة الملك سلمان، الذي يريد تجنيد «حماس» ضمن جبهة سنية في وجه ايران (...).
ثمة سبب آخر هو عدم قناعة الجمهور الفلسطيني في الضفة الغربية بأن الانتفاضة الشعبية قادرة على فرض الحل السياسي. تشير استطلاعات المعهد الفلسطيني الى أنه من بين خيارات الحل، فان خيار العنف يحظى بالتأييد الاكبر (36.7 بالمئة) مقابل خيار المواجهة غير العنيفة (29.7 بالمئة) وخيار المفاوضات (29.4 بالمئة). الواقع على الارض يثبت أنه بين التأييد النظري للانتفاضة – عنيفة أو غير عنيفة – وبين الاستعداد الشخصي للمشاركة فيها، هناك مسافة كبيرة. إن اولئك الذين توقعوا اندلاع الانتفاضة في أعقاب فشل المفاوضات في الاعوام – 2013 – 2014، خاب أملهم. أيضاً أحداث الصيف والخريف، وفي مقدمتها عملية «الجرف الصامد»، لم تتسبب في اندلاع انتفاضة واسعة. بقي مستوى المواجهات محدوداً ومحلياً، لا سيما في القدس، ولم يمتد الى باقي مناطق الضفة، رغم جهود «حماس» لاشعال المنطقة. وكذلك الامر بالنسبة لمحاولات الانتفاضة غير العنيفة، من خلال مقاطعة المنتوجات الاسرائيلية التي لم تنجح حتى الآن، ليس بسبب الاجراءات الاسرائيلية الفعالة وانما بسبب قلة الاستجابة الفلسطينية.
تنبع هذه السلبية من عدة عوامل: رغم أن الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية لم يتدهور، وهو أفضل بكثير منه في قطاع غزة، إلا أن غلاء المعيشة في اسرائيل يؤثر في الضفة أكثر من تأثيره في القطاع.
معظم السكان في الضفة يعتبرون الفقر والبطالة مشاكل أساسية ووجودية أكثر من مشكلة الاحتلال والمستوطنات، وهي مصنفة في المرتبة الاولى (36 بالمئة في آذار 2013، 30 بالمئة في نيسان 2015) مقارنة مع المشاكل الاخرى.
ورغم أن الوضع الاقتصادي في الضفة معقول نسبيا، إلا أن هناك جيوباً من الفقر والضائقة موجودة في معظمها في مخيمات اللاجئين مثل جنين وبلاطة التي حدثت فيها في الفترة الاخيرة مظاهرات سميت «انتفاضة الجوعى».
خيبة الأمل التي تنتجها هذه الجيوب تصب باتجاه السلطة الفلسطينية وايضا باتجاه «حماس» وباقي القوى، كما يمكن ملاحظة ذلك في اقوال تاجر من نابلس نشر اقواله في موقع «واللا» في 17 نيسان 2015: «الجميع هنا يريدون جمع المال. وأنا أقول لك، بسبب الوضع الاقتصادي وبسبب الوضع السياسي، فانه من الأفضل لنا عدم وجود سلطة فلسطينية. كفى، ليُغلقوا هذه المصلحة، وليكن حكما عسكريا اسرائيليا، وسلامات. أو انتفاضة ثالثة...».
ايضا الفلسطينيون غير الموجودين في ضائقة صعبة يقولون إن طموحهم الأساسي هو ضمان الوضع الاقتصادي. الكثير منهم من الشباب الذين يسميهم المجتمع الفلسطيني «الجيل الانتهازي» مقارنة مع الاجيال السابقة مثل «جيل النكبة» و»جيل الثورة». وبخلاف الالقاب السابقة فان اللقب الحالي يعكس الفردية، ويعكس ايضا عدم استجابة الشباب لنداء الوطن.
يمكن فهم التركيز على الجانب الاقتصادي كمحاولة لخلق الاستقرار والحياة الطبيعية، ومع ذلك فان الأولويات الجديدة تؤثر في حدوث تغيير في طابع المجتمع الفلسطيني، الذي كان في السابق مجتمعا مجندا، وعدم تدخل هؤلاء الشباب في السياسة، أغلبيتهم من الطبقة الوسطى ويحملون مواقف سياسية متنوعة، وهذا يؤثر في فرصة احداث التغييرات السياسية، لأن الشباب هم الذين يُحدثون التغيير، سواء في المجتمع الفلسطيني أو في المجتمعات الاخرى.
ويشير بحث جديد نشره معهد «برسون مارتيلر» الى أن الطموح الى الاستقرار الاقتصادي والابتعاد عن السياسة هو ما يميز اليوم ملايين الشباب في الشرق الاوسط. وهذه نتيجة مباشرة لليأس وخيبة الأمل من ثورات «الربيع العربي» التي اقترنت بالكثير من الآمال وتسببت بخيبات أمل شديدة، لا سيما في اوساط الجيل الشاب الذي قام بهذه الثورات. الخوف من تطورات مشابهة لتلك التي حدثت في «الربيع العربي» يؤثر على الشباب الفلسطيني، الذي يدرك تراجع أهمية الموضوع الفلسطيني لدى العرب على خلفية الكوارث التي يعيشها العالم العربي.
هذا الشعور في مكانه؛ حيث إن اهتمام العرب بالموضوع الفلسطيني تراجع ويأتي في المكان الرابع بعد «داعش» والارهاب والبطالة، في قائمة الامور التي تقلق أبناء المنطقة. ويضاف الى هذه المخاوف، الخوف من عودة الاحداث الصعبة من الماضي الفلسطيني، وعلى رأسها الانتفاضة الثانية التي يبدو أنها أثرت على الاجيال الفلسطينية التي لم تعشها، وبالتالي فان احتمالية انتفاضة اخرى ضئيلة.
السبب الاخير لغياب الدافعية لدى الجمهور الفلسطيني لاحداث تغيير سياسي هو سلوك السلطة الفلسطينية التي لا تريد انتفاضة. الانتفاضة في نظر الكثيرين من رجال السلطة الفلسطينية هي محاولات لـ «حماس» لضعضعة حكم السلطة في الضفة الغربية، ولأنهم يخافون من أن الانتفاضة الجديدة قد تخدم من ينتقدون السلطة في البيت الفلسطيني. في ظل وضع كهذا فان اجهزة امن السلطة تلعب دورا مركزيا في كبح التدهور، خلافا للدور الذي لعبته في تأجيج الانتفاضة الثانية.
نظرا لأن التغيير لا يلوح في الأفق، فان نتيجة التطورات التي تمت مناقشتها أعلاه هي الاحراج لدى اوساط كبيرة في الجمهور الفلسطيني الذي يريد حل الدولة الواحدة، ليس كخيار بل كأمر مفروض. صعود حلم الدولة الواحدة الى البرنامج اليومي يعكس ضعف حلم الدولتين وعدم قدرة الاوساط الوطنية على تحقيقه. في المقابل فان «المقاومة» العنيفة لـ «حماس» لم تثبت نفسها كاستراتيجية قادرة على تحرير فلسطين. الى داخل الفراغ الفكري الذي خلفته القيادتان الفلسطينيتان تدخل أفكار بديلة. أحدها هو حلم اسلامي غير عنيف يطرحه منذ سنين زعماء مؤثرون في جنوب الضفة مثل أبو أكرم  أبو اسنينة، الشيخ فريد الجعبري، وعبد الوهاب غيث (ثلاثتهم رؤساء حمائل كبيرة)، الى جانب زعماء سلفيين مثل الشيوخ أبو خليل التميمي، وليد أبو نجمة، وموسى رشيد. يقول هؤلاء الزعماء إنه نظرا لعدم امكانية تقسيم البلاد لاسباب دينية وغيرها، يجب العيش بسلام مع اليهود وانتظار المهدي. هذه الأفكار لا تتحرك في فراغ، كما تبين من كلام طالب من الخليل نشر في موقع «واللا» في 30 نيسان 2015: «اليهود والمسلمون عاشوا معاً مئات السنين... ما الحاجة لوجود دولة اسرائيل؟ وحسب الاسلام نحن ملزمون بالدفاع عن المسيحيين واليهود كما دافع النبي محمد عن جاره اليهودي».

عن نشرة «مفترق الشرق الأوسط»

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية:


أطراف النهار
حسن البطل
نعم للاستفتاء؛ "لعم" للاستقلال!
آراء
د. عبد المجيد سويلم
الطريق إلى إنهاء الانقسام سالكة...
طرطشات
د. فتحي أبو مُغلي
طرطشات
دفاتر الأيام
سما حسن
رصاصة طائشة
اقرأ المزيد ...