سعود السنعوسي في "فئران أمي حصة" .. يقرع الخزان ويصرخ "احموا الناس من الطاعون" !

2015-04-21

ما بين منتصف ثمانينيات القرن الماضي والعام 2020، صال وجال الروائي الكويتي سعود السنعوسي، ومن خلال شخصياته المتخيلة أو القريبة من واقع عاشه أو عايشه وواقع تخيله، متكئاً على أحداث مرت بها الكويت، فحاول قراءة المستقبل بناء على ما مرّت وتمر به المنطقة العربية ككل، ليصل إلى المستقبل الذي ليس ببعيد، أي بعد خمس سنوات من الآن، كما جاء في الرواية، متخيلاً أحداثاً يتوقع حدوثها، وكأنه يتنبأ بالمستقبل.
في «فئران أمي حصة»، وهو عنوان رواية السنعوسي الجديدة، والتي طبعت منها ست طبعات حتى الآن، منذ صدورها من قرابة الشهرين، كتب ما يمكن وصفه بروايتين في واحدة، إحداهما وصفية إلى حد كبير تحاكي تاريخاً معاصراً عايشه السنعوسي طفلاً، سماها «ارث النار»، مقسماً إياها إلى فصول أربعة، أو «أربعة فئران»: «الفأر الأول .. شرر»، و»الفأر الثاني .. لظى»، و»الفأر الثالث .. جمر»، و»الفأر الرابع .. رماد»، وتسرد جميعها حكايات شخوصه في فترة احتلال العراق للكويت، وما قبلها، وما بعدها، أي في مرحلة طفولة ومراهقة الشخوص، أما الرواية الثانية، إن جاز التعبير، فجاءت تحت عنوان «يحدث الآن»، وهي عبارة عن أحداث متلاحقة في يوم واحد، وبالتحديد في 12 ساعة، خلال يوم غير محدد من أيام العام 2020، تبدأ عند منتصف النهار وتنتهي عند منتصف الليل، موثقاً للمستقبل بالساعة والدقيقة، عبر الشخوص ذاتها، والذين تجاوزوا سن الأربعين بقليل، في الجزء المتخيل من الرواية.
وأبطال رواية «فئران أمي حصة» ينتمون إلى عائلتين: شيعية عراقية تتمثل في الابن صادق وتوأمته حوراء ووالده صالح الكاره لكل من هو سنّي، وعائلة الجار السنيّة الكويتية، وتتكون من فهد صديق صادق، وعمته عائشة، والجدة التي ينادونها بـ»أمي حصة»، وأيوب، وضاوي ابن خال الراوي الذي هو صديق الاثنين، وفضل السنعوسي ألا يمنحه (الراوي) اسماً بعينه، أما بقية الشخصيات فهي ثانوية، وإن كانت مؤثرة، وتمثلت في الجيران والمعارف من عائلات فلسطينية ومصرية ومن جنسيات أخرى، حيث يجمع كل هذه الشخصيات حي واحد.
حاول الروائي جاهدا نقل صور أو مشاهد من الحياة الحقيقية في روايته، متكئاً بشكل أو بآخر على مشهد من مسلسل «على الدنيا السلام» لنجمتي الدراما الكويتية حياة الفهد وسعاد العبد الله، والذي  تظهر فيه أيضاً شخصية هامشية من جنسية غير كويتية، تجسد دور مجنونة في مستشفى المجانين الذي جمع الشقيقتين ظلماً، فكانت المجنونة غير الكويتية لطالما تنادي بعبارة سارتر الشهيرة «الفئران آتية .. احموا الناس من الطاعون»، متخذاً السنعوسي من هذه المقولة التي اشتهرت منذ عرض المسلسل في ثمانينيات القرن الماضي، حجر زاوية للانتقال إلى مستقبل مظلم يغلفه الحقد الطائفي داخل المجتمع الكويتي.
وتحت عنوان «يحدث الآن»، وهي أحداث حصلت في يوم واحد في العام 2020، امتدت منذ الساعة 12 ظهرا، حين يستفيق فهد بعد أن اعتدى عليه احدهم، وتركه مدمى بعد كسر عدد من أسنانه، وقد حطموا سيارته قبل فرارهم ... حين استفاق فهد، لم يجد صادق والراوي (صديقيه)، لتسير الأحداث بعد ذلك عبر رحلة البحث عن الأصدقاء، الذين ظل الاختفاء يرافقهم حتى خواتيم الرواية.
أما الفصول الأخرى، والتي عنونها بـ»الفئران»، فكانت عبارة عن رواية منفصلة متصلة في آن، شكلت فرشة أو توطئة، تبدو كفترة تمهيدية لما سيأتي لاحقاً، وإن كانت هي المحور الأساس في الرواية.
بدأت الأحداث في الجزء الثاني من منتصف ثمانينيات القرن الماضي، ساردا فيها طبيعة العلاقة التي جمعت سكان الحي الواحد من فلسطينيين وعراقيين وكويتيين وجنسيات أخرى، ولافتاً إلى أنه وبالرغم من اختلاف بعض الطقوس الدينية لبعض هذه العائلات بين سنة وشيعة، إلا أن الجيرة والعشرة كانت هي السائدة بل والطاغية لسنوات طويلة، إلى أن حطت بنا طائرة السنعوسي الروائية إلى حيث أحداث الاحتلال العراقي للكويت، وتأثيراتها على سكان الحي، الذين انقلبت حيواتهم رأساً على عقد، حيث ماتت في هذا العام، أي عام الغزو، الأم أو الجدة حصة، التي كان يعتبرها الجميع «بركة» وكبيرة الحي»، فهي بمثابة الأم التي كانت تجمعهم، والتي كانت على الدوام مؤيدة ومتعاطفة بشكل كبير مع القضية الفلسطينية، فكانت تحث حفيدها واصدقاءه على التبرع لدعم فلسطين وأطفال الحجارة بدل شراء الحلويات، حتى باتوا يحفظون وصاياها في هذا الاتجاه.
كانوا في الكويت قبل الحرب يشيرون إلى العائلات الفلسطينية بـ»الزلمات»، وهو ما تجسد في الرواية عبر الشقيقين «أبو نائل»، و»أبو طه» وأسرتيهما، وكيف كان يعتقد الكويتيون ان الزعتر هو سبب ذكاء الطلاب الفلسطينيين في المدارس محاولين تقليدهم عبثاً.
وبعد الحرب، وعقب ما شهدته من انقلابات في العلاقات بين أبناء الحي الواحد تبعاً لمواقف الدول السياسية من الغزو، تبدأ بوادر خلافات طائفية بين السنة والشيعة، تفرق العائلات المتحابة والمتعاشرة منذ سنوات، إلا أنه وعلى الرغم من هذه الخلافات، يتفوق الحب إلى حين، في تلك الفترة، حيث أحب فهد ابن العائلة السنية حوراء ابنة العائلة الشيعية، بل إنهما يتزوجان رغم التحفظات الشديدة للعائلتين على هذا الرباط العائلي.. هاتان العائلتان اللتان لم تنهيا بهذا النسب المشاكل الطائفية، بل ازدادت، مع الوقت، حدة المناكفات التي وصلت إلى الضغط على كل من فهد وحوراء للخروج من دائرة النسب غير المرغوب فيه بالطلاق، وخاصة بعد وفاة الحفيد، أي ابن السنيّ والشيعية.
وفي العام 2008 يؤسس الأصدقاء (أبطال الرواية)، مجموعتهم المضادة للتطرف الطائفي، أطلقوا عليها اسم «أولاد فؤادة».
و»فؤادة» هي المجنونة التي كانت تردد في المسلسل، آنف الذكر، عبارة «الفئران آتية»، وتحمل مصيدة فئران في يدها، فشكلوا إذاعة إلكترونية وصفحة على شبكة الإنترنت لبث البرامج والأغاني التي تنتصر لذكريات أبناء المجتمع الواحد، بعيداً عن التطرف والتحيز بين سني وشيعي، رافضين الإفصاح عن أسمائهم، أو أي معلومات عنهم، أو حتى عن مقرهم.
وفي الوقت الذي بدأت فيه التفجيرات، واشتعل الاقتتال بين الطائفتين في العام 2020، كانت الشائعات حول «أبناء فؤادة» تتصاعد، فالموالون للحكومة يصفونهم بالمعارضين، فيما يتهمهم المعارضون بالموالاة، أما الشارع فكان يغرق في الدماء ... دماء أبناء الطائفتين، فالحي الذي كان مليئاً بالحب قبل رحيل حصة، بات مستقراً لآلاف الجثث بعد رحيلها.
ويفاجئنا السنعوسي في نهاية روايته بالنهاية الصادمة، حيث يصل التطرف مداه، ويتغلغل الصراع الطائفي ليصل إلى «أبناء فؤادة»، فيقتل أحد الصديقين الآخر، فيما يبقى القاتل يصارع الموت في المستشفى، دون الكشف عن مصيره، وكأن السنعوسي يقرع الخزان، أو جرس الإنذار، بأن «انتبهوا أيها الكويتيون، فإن «الفئران آتية»، وأن عليكم أن «تحموا الناس من الطاعون»، في رواية «قاسية وجريئة»، اعتمدت سياسة «التعرية من فرط العشق للوطن»، إن جاز التعبير، وهو ما جعل البعض، ومن باب الفهم الخاطئ على ما أعتقد، يدعو إلى منع تداولها في الكويت، وهو ما حصل بالفعل، وأثار ضجة كبيرة وصل مداها إلى مناقشات مجلس الأمة (البرلمان) الكويتي.
وتتميز «فئران أمي حصة» بتقنية مغايرة عما اعتمده السنعوسي في روايته السابقة «ساق البامبو» الفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) للعام 2013، عبر تشابك روايتين في واحدة، إحداهما مبنية على أحداث عايشها، أو وجد ما يقصها عليه بتفاصيلها، وأخرى متخيلة، مستخدماً لغة سردية محكمة البناء حد الدهشة، ولغة جمعت بين السلاسة وروعة التصوير، ما يدفعني للقول إنها «رواية عبقرية» ستكون علامة بارزة، ولها حضورها الطاغي بلا شك.
بديعة زيدان

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: