ترميم المباني على حساب الذكريات

2015-03-09


بقلم: سام بحّور*

أكاد أشعر بالحرج لأعترف. أقطن في فلسطين منذ 21 عاماً، ومررت بقرية "عين سينيا" مئات المرات، ولكني لا أذكر أنني زرتها قط، حتى هذا اليوم.
عين سينيا، قرية فلسطينية صغيرة تابعة لمحافظة رام الله والبيرة في الضفة الغربية، تبعد عشرة كيلومترات شمال رام الله، وشمال شرق جفنا التي تشتهر بزراعة المشمش. وتقع في وادٍ تحيطه مدرجات وأسوار من أشجار الزيتون والتين. وقد نما عدد سكانها من 701 نسمة في العام 2007، إلى 885 نسمة اليوم، بزيادة كبيرة نسبتها 12%، كانت قرية فيصل الحسيني، الزعيم الفلسطيني الأسطوري الذي قضى حياته مدافعاً عن الحقوق الفلسطينية في القدس، ويمكننا القول أن عين سينيا قرية بسيطة وهادئة، تم إحياؤها اليوم، وكنت هناك شاهداً على صحوتها.
وصلت إلى عين سينيا سائقاً خلف حافلة صغيرة تابعة للبيت الدنماركي في فلسطين، تنقل بعض الأشخاص الذين كانوا في طريقهم إلى نفس المكان الذي كنت أقصده.
استدرنا نحو جانب الطريق الرئيس للقرية، ثم استدرنا إلى اليمين، ثم إلى اليسار، وأول شيء لاحظته هو عادةً ما يلاحظه أي شخص في جميع القرى الفلسطينية، مجموعة من الأطفال، تلك المجموعة كانت مكونة من فتيات صغيرات تملأهن البهجة والسرور والحماسة للمرور الغريب لتلك المركبات في شارعهم، وعلى بعد بضع مئات الأمتار نحو التل، على الناحية اليمنى، يوجد المنزل التاريخي الذي قصدنا زيارته، منزل السيد جميل الحسيني.
وأمام هذا المنزل المهجور الضخم، كانت تقف الممثلة فاتن خوري بغرابة في منتصف الشارع. مشهد لا يمكن تفويته. كانت تحدق بذهول في بيت الدرج الحجري الذي يعانق ظهر المبنى ويؤدي إلى الطابق الأول من هذا المنزل. كانت تحمل حقيبة سفر في يد، وألبوم صور أبيض اللون في اليد الأخرى. وعندما هممنا بالترجل من سياراتنا، توقف عدد من الأشخاص للتحدث إلى فاتن، لكنها لم تحرك ساكناً. كانت فقط تحدق في بيت الدرج، الذي قادنا إلى المكان الذي قصدنا الذهاب إليه دون أن تنطق بكلمة بأية كلمة.
في الطابق العلوي دخلنا من خلال مدخل تقليدي قديم، وضيق له باب فولاذي ثقيل. ثم مشينا على لوح معدني، تم وضعه على شرفة خارجية قديمة أدى بنا إلى غرفة كبيرة. وطوال مرورنا بالممشى، وجدنا العديد من الغرف على الناحية اليمنى. في الغرفة الأولى، كان هناك شابتان بالزي التقليدي، تجلسان على الأرض لخبز العجين. وفي الغرفة الثانية، كان هناك شاب بالزي التقليدي أيضاً، يحمل في يده حجراً يدق به الزيتون الطازج الذي تم قطفه حديثاً. وفي نهاية الممشى، دخلنا غرفة أكبر، ربما كانت يوماً ما غرفة المعيشة للأسرة التي كانت تقطن بالمنزل.
كانت الغرفة تعج بأناس جالسين في عشرة صفوف من الكراسي تقريباً. وفي الجزء الأمامي من الغرفة كانت هناك منضدة، وسيدة أجنبية تجلس وحدها. كانت تضع سماعات على رأسها، وتتنقل ذهاباً وإياباً ما بين الطباعة على جهاز حاسوبها النقال، وارتداء قفازات بيضاء اللون قبل التقاطها أداة منزلية قديمة، وأجزاء من طبق خزفي ملون مكسور، وكانت تستخدم فرشاة صغيرة لتلميع حواف أجزاء الطبق، علمنا في وقت لاحق أنها السيدة إميلي سيمونسن، ممثلة دنماركية في زيارة لفلسطين، تلعب دور خبيرة في إحياء التاريخ.
وعندما جلسنا، رأينا المزيد من الناس يتدفقون إلى الغرفة، صغاراً وكباراً. ولم تعط إميلي أي اهتمام لهذا الضجيج؛ واستمرت في تكملة عملها.
كان يجلس خلفي صف من أجمل فتيات القرية، جلسن ينتظرن باهتمام، وحاولن استيعاب الغرباء الذين وصلوا للتو بشكل مفاجئ.
سألتهن من أين هن، وماذا ينتظرن؟. أجابت إحداهن دون تردد "نحن من عين سينيا، وننتظر عرضاً مسرحياً هنا بعنوان "ذاكرة من طي الزمان"، ثم سألتني: من أين أنت؟". أجبتها، من البيرة، بالقرب من رام الله، معتقداً أنهن سيعرفن المدينة الكبيرة المجاورة لمدينتي. إحدى الفتيات التي كانت تبلغ التاسعة من العمر تقريباً، قالت: "أنا أعرف البيرة؛ حيث توجد مدرسة الثانوية للبنات، "لم يحتجن لأن أشرح لهن جغرافية وطنهن.
لم يمض وقت طويل حتى امتلأت الغرفة بالحضور، ولم يتبق أي مكان شاغر للجلوس، حينها دخل رجل مسن، حسن المظهر، تم التنويه له للجلوس في الصف الأول، ذاك الرجل كان مالك المنزل، جميل الحسيني. وبعد دقائق قليلة، تم الإعلان عن بدء عرض المسرحية، حينها هيمن الصمت على المكان.
دخلت الممثلة فاتن الغرفة بتردد، وما زالت تحمل في يدها ألبوم صور. وضعت حقيبتها جانباً، وقضت الدقائق العشر الأولى تجوب الغرفة، وتتحدث إلى نفسها، وهي تشعر بالحنين إلى أيام مضت منذ زمن بعيد.
تذكرت وصف والدها لمنزله في فلسطين، هذا المنزل. سارت عبر الغرف وعلامات الصدمة تبدو على وجهها، لأنها بالرغم من كونها لم تعش قط في هذا المنزل، شعرت أنها تعرف كل صغيرة وكبيرة به – إطارات النوافذ الخشبية، والنوافذ المقوسة التي تفصل الغرف عن بعضها البعض، والشرفة، والإناء التي كُسِر الآن والموجود على منضدة إميلي في انتظار تسجيله في جهاز حاسبوها النقال، والأرضيات المبلطة، وما إلى ذلك. تحدثت عن المنزل كما لو أنها لا تزال ترى جميع سكانه الذين ذهبوا، موجودين في المكان.
وبينما كانت فاتن تستعيد الذكريات، قامت مجموعة من الشباب الممثلين والممثلات من مسرح عشتار بلعب أدوار أفراد الأسرة الأصليين، كما لو أنهم عادوا إلى الحياة، وكلما تنقلت فاتن من غرفة إلى أخرى، كانت تدفع الباب بقوة أدهشت الممثلة الأجنبية إميلي.
فجأة، توقفت إميلي عن تلميع الأدوات المنزلية القديمة التي كانت في يدها، وخلعت قفازاتها البيضاء ورفعت السماعات عن رأسها، وقامت بتوبيخ فاتن لتواجدها في المنزل.
أوضحت إميلي أن المنزل كان قديماً جداً ولم يُسمح لأحد بدخوله قط، حينها أجابت فاتن عبثاً، أن هذا المنزل يعود لعائلتها، وأنه بإمكانها استعادة جميع الذكريات كما لو كانوا على قيد الحياة.
لم تستطع إميلي رؤية ذلك، لأن محور اهتمامها فقط هو الأدوات المنزلية القديمة التي كانت تلمعها بالفرشاة وتسجلها في جهاز حاسوبها النقال، وعلى الجدار الحجري لغرفة المعيشة، تم عرض صور قديمة من ذكريات الماضي المُعاش في المنزل، ما جعل فاتن تشعر بالإحباط الشديد لعدم قدرة إميلي الإحساس بالماضي النابض بالحياة، ولخصت الموقف قائلة لإميلي: "أنتِ مهتمة فقط بترميم المنزل، وليس الذكريات"، حينها تأثر الحضور كثيراً، وشعرت أنا بقشعريرة عند سماع ذلك.
بعد بضع دقائق، انتهت المسرحية. لم يستغرق الأمر من هذا الفريق الموهوب من الممثلين والممثلات سوى عشرين دقيقة فقط للضرب على وتر حساس بداخلنا جميعاً.
منازل فُقِدت، ومرور الزمن، وتاريخ تم الحفاظ عليه من خلال السرد الشفوي للقصص، وعودة اللاجئين إلى وطنهم، في حين أن العالم المادي اليوم بالكاد يهتم لرؤية حجارة المنازل فقط وليس أصحابها الذين كانوا يقطنون بها، أو ما حدث لهم، أو لأين ذهبوا، أو كيف ماتوا، في العشرين دقيقة القصيرة تلك، تأثر كل فلسطيني لديه أدنى حد من المشاعر العميقة.
بعد عرض المسرحية، تم إعطاء المجال للنقاش، أول من بدأ بالكلام، وبقي وفياً لثقافتنا، هو مالك المنزل، شكر الجميع على الحضور، ورحّب بنا في منزله.
كان ترحيبه ثقيلاً على القلب حقيقةً نظراً للحالة المزرية للمبنى، ولكن الترحيب كان حارّاً جداً لأن المنزل كان يعج بالأولاد والفتيات الصغيرات، وحضور آخرين من مختلف الأعمار، والأهم من ذلك كله، "جميل" نفسه، مالك المنزل.
وعندما جاء دوري خلال النقاش، قمت بتحدي الصغار الموجودين في الغرفة، قلت لهم إنني سأكتب هذا المقال حول هذا النشاط، وطلبت منهم أن يرسلوا لي آراءهم في المسرحية حتى أتمكن من ضمها في المقال.
وبعد انتهاء هذا النشاط مباشرة، تقدمت نحوي مجموعة الفتيات الصغيرات اللواتي كن يجلسن في الصف خلفي، إحدى هؤلاء الفتيات، بيسان، قائدة مستقبلية لا شك، كانت تملك من الشجاعة ما يكفي للتحدث معي بالنيابة عن المجموعة، وبوجنتيها الحمراوين وابتسامتها الجميلة، سألتني كيف يمكنهن إرسال ما يكتبن لي.
حينها أعطيتهن بطاقتي الخاصة التي تضم جميع بيانات الاتصال الخاصة بي، وأشرت لهن إلى عنوان بريدي الإلكتروني. ثم سألتني فتاة أخرى إذا كان بإمكانها إرسال كتاباتها لي عبر الفيسبوك، أو الفيس، كما سمته.
علامة أخرى من علامات الزمن، جميعهن كن متحمسات للغاية، وجعلن بقية يومي العادي مشوقاً جداً.
وبالكاد وصلت إلى منزلي ذاك المساء، حتى وجدت هذه الرسالة من بيسان:
"أنا بيسان جبر أحمد، كنت في مسرح عين سينيا، وأبلغ العاشرة من العمر. شعرت أن هذه المسرحية تعبر عن تراثنا الفلسطيني، وأعادتني إلى الأيام القديمة، كيف كان يعيش آباؤنا، بينما الآن الجميع مشغولين بالفيس، وكيف في الزمن الماضي كنت أنا ووالديّ نعمل معاً في المنزل، وكيف ساعدنا بعضنا البعض وكيف اختلفنا".
ثم طلبت مني أن أخبرها عند نيتي الذهاب إلى عين سينيا مرة أخرى. بيسان وجيلها متعطشون للعيش، بينما الاحتلال العسكري المستمر بوضع قدميه على أعناقهم يجعل الأمر صعباً عليهم حتى للتنفس.
ثم بعد بضع ساعات، وصلتني هذه الرسالة:
"أنا سماء خاطر. أبلغ التاسعة من العمر. لقد أحببت المسرحية التي تم عرضها في عين سينيا. وبالرغم من كونها قصيرة، إلاَّ أنها عَبَّرت كثيراً عن مشاعر الناس في الزمن الماضي، وجعلتني أشعر بالحزن".
لطالما كانت فكرة إحياء ذاكرتَيّ الزمان والمكان من خلال الروايات الشفوية الفلسطينية شغف كبير منذ عدة سنوات لدى الممثلة فاتن خوري. والآن وبدعم من البيت الدنماركي في فلسطين وغيره من الداعمين الأسخياء، أصبحت قادرة على التعاون مع الممثلة الدنماركية المحترفة إميلي التي تعمل في الدنمارك لإحياء التاريخ من خلال المسرح.
وهذه المسرحية كانت فكرة رائدة لمشروع أكبر بكثير تخطط له فاتن، ألا وهو إنشاء متحف مسرحى للذاكرة الحية المُعاشة والتاريخ الشفوى المُعاش، وإحياء الذاكرة التي تتعرض لعمليات محو يومية.
أنا شخصياً أدعم هذا المشروع بكل جدية، وجعلته مشروع المسؤولية الاجتماعية الحالي لشركتي الخاصة، وأنتم أيضاً يمكنكم المساهمة في دعم إحياء هذا المشروع من خلال زيارة الموقع الإلكتروني التالي:
www.aim.ps/aim-csr.html
خلاصة القول، عدد سكان عين سينيا وفقاً لتعداد سكان فلسطين الذي أجرته سلطات الانتداب البريطانية في العام 1922 كان 114 نسمة.
أما اليوم في العام 2015، أصبح عدد سكانها 885 نسمة، عدد لا يُستهان به، وبما أن كل عمل من أعمال الاحتلال العسكري الإسرائيلي على مدى العقود الخمسة الماضية تم تصميمه لإرغام الفلسطينيين على مغادرة فلسطين، تبقى عين سينيا مثالاً حياً لصمودنا وعزمنا وتصميمنا، ليس فقط للبقاء في الأرض، ولكن أيضاً للنمو بالرغم من كل الصعاب، وأنا، أول الملتزمين بمضاعفة جهودي لضمان حصول بيسان وأصدقائها على مستقبل يستحق العيش.
*سام بحّور، رجل أعمال فلسطيني - أميركي من مدينة يانجزتاون، بولاية أوهايو، ومقيم في مدينة رام الله/البيرة، وهو عضو اللجنة الاسستشارية للبيت الدنماركي في فلسطين The Danish House in Palestine، وشارك في تأليف كتاب "الوطن: التاريخ الشفوي لفلسطين والفلسطينيين (1994). لمعرفة المزيد، يمكنكم الاطلاع على مدونته الإلكترونية على العنوان التالي: www.ePalestine.com

 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: