مقالات

«إني اخترتك يا وطني» والدكتور عبد الحفيظ الأشهب

صلاح هنية

2014-12-27


كان لي شرف المشاركة في احتفال أقيم يوم الإثنين الماضي في مدينة الخليل على شرف أطباء الرعيل الأول الذين مضى على خدمتهم الإنسانية ما يزيد على خمسين عاماً. حيث قامت مختبرات مديكير واللجنة الفرعية لنقابة الأطباء في الخليل وممثلي وزارة الصحة وشركة رويال الصناعية التجارية التي استضافت الحفل خلال حفل بهيج بتكريم كل من الدكتور عبد الحفيظ الأشهب والدكتور فضل حجازي والدكتور عبد الحي شاور والدكتور محمد ناصر الدين والدكتور عبد المجيد الزير والدكتور عبد الرحمن النمورة.
من خلال استعراض مسيرة عمل وحياة هذه الكوكبة من الأطباء، تيقنت أنهم يشكلون التجسيد الحقيقي والرائع للشعار الذي نرفعه اليوم، شعار "إني اخترتك يا وطني". وهنا أود تخصيص مقال اليوم للحديث عن أقدم هؤلاء الأطباء الستة، الدكتور عبد الحفيظ الأشهب، الذي عرفته في بدايات تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994 حيث تولى وزارة الاتصالات والبريد وكنت في ذلك الحين أعمل ضمن طاقم صديقه المرحوم ياسر عمرو الذي شغل في تلك الآونة منصب وزير التربية والتعليم العالي في أول حكومة في تاريخ السلطة الوطنية الفلسطينية.
اشتهر الدكتور الأشهب في مدينة الخليل بلقب طبيب الفقراء، حيث كان معروفاً عنه مداواة المرضى ضعيفي الحال في عيادته الخاصة في منطقة باب الزاوية بلا مقابل مادي. كما عرف عنه خلال سني الاحتلال بمداواة الكثير من المناضلين الجرحى، الذين كان محل ثقتهم، ما عرضه للمساءلة والاعتقال.
لكن هذا ليس كل شيء فخلف هذا الرجل المتواضع الى أبعد الحدود مسيرة طويلة فيها الكثير من التضحية واليقين باختيار الوطن. فقد تلقى الأشهب المولود في العام 1927 تعليمه الابتدائي في مدرسة الخليل الابتدائية بالقرب من الحرم الإبراهيمي الشريف، وحيث لم يكن ممكناً آنذاك التعليم الثانوي في الخليل أو متاحاً، توجه لاستكمال تعليمه الثانوي عام 1946 الى القدس حيث درس في الكلية الإبراهيمية التي كان يديرها التربوي القدير المرحوم نهاد عليان أبو غربية، والذي كان لي شرف العمل معه تحت سقف الكلية الإبراهيمية في ثمانينيات القرن الماضي وفي مطلع الانتفاضة الأولى.
عمل الأشهب بعد حصوله على شهادة الثانوية العامة معلماً في مدارس حلحول والخليل. وبعد أن حلت النكبة بالشعب الفلسطيني توجه في العام 1949 الى دمشق ليلتحق بكلية الطب في الجامعة السورية.
على مقاعد الدراسة التحق الأشهب بنشاط الحركات الطلابية والأحزاب القومية، ما أتاح له فرصة التعرف على رواد تلك الحركات أمثال القادة المناضلين خالد بكداش، وميشيل عفلق، ويعقوب زيادين وجورج حبش ونور الدين الأتاسي وغيرهم.
بعد حصوله على شهادة الدكتوراة في الطب في العام 1956 افتتح عيادته الخاصة في منطقة باب الزاوية في قلب مدينة الخليل. وكانت بذلك ثالث عيادة خاصة في المدينة حيث سبقه الى ذلك المرحوم د.محمد يحيى شاور والمرحوم الدكتور حافظ عبد النبي النتشة. واستمر الأشهب ايضاً في نشاطه الوطني والسياسي.
والى جانب ذلك كان الأشهب ناشطاً في العمل النقابي والاجتماعي العام، حيث انتُخب عضواً في مجلس نقابة الأطباء الأردنية، وكان عضواً مؤسساً ورئيساً للجنة الفرعية للنقابة في الخليل. وشارك في تأسيس وقيادة العديد من المؤسسات الخيرية والوطنية في محافظة الخليل ومنها رابطة الجامعيين وجمعية الهلال الأحمر وجمعية أصدقاء المريض وجمعية تنظيم وحماية الأسرة وجمعية الإسكان التعاونية.
بعد نكسة 1967 واحتلال إسرائيل للضفة الغربية، تم اختياره عضوا في لجنة التوجيه الوطني التي شكلت رافعة النضال السياسي في الضفة الغربية والقطاع. وجاءت مشاركته في أول حكومة للسلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994 استكمالا لهذه المسيرة، حيث تولى وزارة البريد والاتصالات التي أصدرت في العام 1995 أول طابع بريدٍ لدولة فلسطين وهو الذي مهد الطريق لتأسيس أول شركة اتصالات فلسطينية، لكن الأهم من ذلك أنه في لقاء مفتوح في مدينة الخليل بعد تعيينه وزيراً طالب الناس بألا يدعوه بلقب "معالي الوزير"، قائلاً لهم: إن أصحاب المعالي هم شهداء وجرحى وأسرى الشعب الفلسطيني.
اختار الأشهب وطنه وتحديداً مدينة الخليل التي أحبها ونادراً ما غادرها، وحتى في شيخوخته، فإن متعته النزول إلى منطقة باب الزاوية، والتجول (حينما تسعفه صحته) في شوارعها وأزقتها والجلوس في محلات الخضار والفواكه وغيرها والتي اعتاد بنفسه قضاء حاجيات عائلته منها. لقد اندمج الأشهب بتلاحم عضوي مع أهل وعائلات المدينة وشاركهم أفراحهم وأتراحهم وجسد بمسيرته وعطائه شعار "إني اخترتك يا وطني".
Aya2abd@yahoo.com

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: