سليم النفّار
لسعة الشعر

2005-01-25

قراءة في المختارات التي اصدرتها
وزارة الثقافة للشعر والقصة في فلسطين

في موجة الشعر العربي الجديد "الشاب" الذي تتلاطم اندفاعاته على امواج الحداثة الغربية، بين موضوعة الشكل، المتأتية من التوق للخروج من الاشكال المألوفة، والتوق لدى الجيل الشاب، الجديد للتمرد على المعنى السائد، او على محمول القصيدة العربية، فيسقطون في فخ الانزياح عن حدود المعنى، وذلك لاسباب عديدة، اغلبها يُعزى لعجز في المحمول الثقافي التراثي، بكل مستوياته لدى هذا الجيل او عدم اكتراثه بهذا المحمول، لاعتبارات مسبقة.
ولكن السقوط في هذا الفخ، هو سقوط خارج منطقة الشعر العربي، وفي ظل هذه الاجواء التي اشرت اليها، تطل علينا كوكبة من شعراء فلسطين الشباب والتي اصدرت لها وزارة الثقافة الفلسطينية نصوصاً في الكتاب الشهري رقم "8" تحمل بين جوانحها رغبة حقيقية في الانزياح عن الثابت، المألوف في الشعر الفلسطيني والعربي بشكل عام. ولكن هذا الانزياح ليس مطلقاً، اولا يشكل حالة طلاق مع الحالة الشعرية العربية الاصيلة، وانما يراكم في انزياحه النسبي، اضافة حقيقية على مستوى الشكل والادوات والرؤى، دونما حاجته للخروج الى منطقة اللامعنى.
والا كيف يستطيع الشعر، هزّ المشاعر - وهذه حيثية مهمة في الشعر- اذا خرج على المعنى، فهل هناك ما يهزّنا سوى المعنى؟ وها هي، هلا الشروف، من خلال قصيدتها - سيدة لا تشبهني- تبني عالمها الشعري على هذه الحيثيات التي ذكرنا، بادوات رصينة وكلمات بعيدة عن روح الافتعال.
انها تخلق حداثتها الخاصة، تحت وابل الرصاص، في الحرب الجهنمية التي نعيشها استطاعت الشاعرة، ان تحيد لغة الخطاب القاسي، المباشر، الشعاراتي، ولكنها بذات الوقت، لم تهرب خارج حدود المعنى، لترسم بكلماتها عالماً وهمياً، وان كان الشعر هو في منطقة التخيل، لكن التخيل المعزز بالمعنى وعليه فقد استطاعت، "هلا" بسيدة لا تشبهني، ان تجترح عالمها الذي تتوق اليه هي وكل فلسطيني، نعم هكذا يكون الشعر.
بحث عن المعنى، ونبش تحت جلد الحزن، عن لحظة فرح، هي الحياة:
"وأنا هنا.. على أرض همّ
وبين الزوايا.. أنام قليلاً وأصحوا قليلاً
وأفرش ذاكرتي فوق كتفي
لعل الليل يبصرها فيتعبُ
ثم يرحل/ خلف غيماتٍ تمرّ"
أعتقد ثمة شعر عالٍ في هذه الكلمات، دونما الحاجة للتكلف، في اللهاث خلف اللغة الوهمية، التي قد تراها عند البعض، تحت دعاوى متعددة، فاللغة ليست بطلاً في الشعر، انها استحقاق طبيعي لأية محاولة شعرية، وهذا الاستحقاق يتطلب براعة وموهبة، تقود اللغة بسلاسة دونما الحاجة الى ليّ عنقها، لان البارع والموهوب لا يحتاجان لعملية الليّ، وانما تفتح اللغة ابوابها لهما ودونما عناء، واعتقد انه من هذه المنطلقات تستطيع الرؤية ان تبني عالمها الشفاف وفي هذه الشفافية، يخلق الشعراء ادواتهم البسيطة، الصادقة والنفّاذة.
وليس بعيداً عما ذكرت، بل في ذات الأجواء، وقريباً من الأدوات، وان اختلفت طرق التناول وسياقاته، يطل علينا ايضاً الشاعر/ عيد محمد بحيص. في قصيدته "هبوط الوتر" هذه القصيدة التي ترسم معنى اولياً من عنوانها "هبوط الوتر" وكأني به يريد القول منذ العنوان، عما يجيش في صدره، ولكنه يعبر بصوت منخفض، انه صوت الشعر، الذي يعلو وينتشر دونما ضجيج وصخب، وهكذا يلقي الينا بجياشانه الهادئ، على دفعات في شكل اسئلة مبعثرة، وحالات شعورية تأملية، تحمل عبر كلماتها المختصرة، المعنى الذي يشف ولا يفضح تماماً، فهل هناك أجمل أو أرقى من الشعر الذي يقترب من هذه التخوم؟
"على بدن المسافة/ بين العتاب/ وضوء التمرد يظل سؤالنا النيئ/ عاصياً... قبل الكلام!

ماذا يضيء العمر؟ احتدام المعاني.... أم هبوط الوتر؟"
ومن غبار المنافي، وتعب القلب الذي لا يكف عن النبض يتأبط الشاعر الشاب/ باسل ترشحاني، احلامه الخاصة، ومغامراته الطفولية، لينثرها في ايقاع خاص، ايقاع الدهشة الذي يحمل في نفسه سحر العشق، فهذه النفس مأخوذة دائماً للأجمل سواء كان موتاً أو حياة، فهو يريد هذا وتلك، وينحني لهذا وتلك ولكن بأنصع حلة يريد:
"تنحني... يا دمي للبهاء...
كم مددت يديك، لكي تقرأه...
تنحني كي يمرّ الهباء... هكذا أنت
إن مرّ موت، وان مرّ برقُ، جلال النساء..!
أما غياث المدهون، فهو يجيء من منطقة تختلف قليلاً عن أقرانه الشباب، حيث يحتفي كثيراً بالغناء، وهذا لا يضير، غير ان اللهاث خلف الايقاع الخارجي، يحد احياناً من امتداد حالة التخيل، ويكسر المعنى عند عتبة أولى، دونما إفساح لشرفات متعددة، من التأويل الجميل، غير القسري.
كما أن "غياث" يمتاز عن أقرانه أيضاً بحجم المساحة المفردة للهم الجمعي، وهي ليست سبة او منقصة عند غيره، ولكن عنده ترتفع هذه المساحة ليشتبك الذاتي بالموضوعي الى حد التماهي:
"صاعداً من حانة الليل الطويل...
الى محلات الخضار
وأنا أودع كل شيء ها هنا..
إلاّك يا شمس النهار
وأنا أحاول أن أمثل دور غيري في الصعود...
وليس يسعفني القناع المستعار
وأنا هنا كالمستجير... ولا أجار"
وأما محمد الديراوي، ابن دير البلح والذي أعرفه قليلاً تجربة وشخصاً، كان قد غادر غزة منذ سنوات الى باريس وهو يحمل لمعان تجربة، تشي بالكثير من الموهبة، والقدرة على توليد نص شعري جديد، فهو ما يزال يؤكد ذلك.
ومحمد الديراوي، يدخل من منطقة النثر، الحكاية، وهو يلائم كثيراً "قصيدة النثر" ولكنه لا يثرثر، ولا يهوم، وانما يحلق في رسم صورة جميلة، ينثر أجزاءها، باتقان، على مساحة الرؤيةا التي يريد، ودونما إخلال بالمعنى أو عبث في اللغة، وانما بسلاسة وابتداع حذر، يعطيك شيئاً فشيئاً اجزاء لوحته الشعرية، فتعيد النظر اليها مرة اخرى، لترى الوانها وحركات ريشته بشكل واضح، ليست هي سوى لوحته الشعرية، أحاول هنا أن آخذ مقطعاً من قصيدته التي اتحدث عنها "وقعة الجد".
"تحت جلدي أظافر تنمو/ على ركبتي طفلة"... ونصف أرجوحة - أتسمع؟، أرى "صوت الحياة في أصابع الأرملة أحاول تقليد مصدر الضوء" أصعد على الطاولة، أتحدث في القلم "كأنه ميكروفون"، أهز رأسي بطريقة مضحكة: نعم.. نعم.. هل عاد الجنود؟".
نعم، هكذا يكون الشعر، وهكذا يخلق الشعراء حداثتهم العربية الخاصة غير الموحشة في أدغال - اللامعنى- قد يبتعدون كثيراً او قليلاً عن الايقاع، او يقتربون، وقد ينزاحون عن هذا الشكل او ذاك، وقد يهرب المعنى، لتلهث خلفه، ولكنك حتماً تنبض على اجزاء منه، وعلى لسعة خاصة به، أعتقد أنها لسعة الشعر.