عن معبر رفح: فرحة لم تكتمل..!
بقلم: أكرم عطا الله

2011-06-05
لم تدم فرحة سكان غزة طويلاً بعد الإعلان عن فتح معبر رفح لحظة سماعهم جملة الاشتراطات الجديدة التي وضعتها مصر بعد ثلاثة أيام على فتحه بشكل غير كامل، انتظروا مزيداً من التسهيلات ليصدموا بجملة محددات منها أن الطاقة التشغيلية للمعبر لا تسمح سوى بسفر أربعمائة مواطن يومياً رغم أن المسجلين حتى اللحظة 12 ألفاً، وكذلك آلاف المعلقين على صليب اللوائح السوداء والممنوعين من السفر، بالإضافة لإرسال لجنة طبية مصرية لفحص الحالات المرضية داخل غزة للتأكد من صدقية التحويلات الطبية.
صدمة جديدة تلقاها سكان غزة الذين سمحوا لأنفسهم بالتحليق ثلاثة أيام في فضاء الحرية قبل أن تتكسر أجنحتهم وهم يهوون على أرض الواقع الذي يقول إن سنوات عمرهم محملة بالألم وجرعات الإهانة حين يفكرون بالسفر عبر المنفذ الوحيد للقطاع الذي يشكل بوابة أم الدنيا بالنسبة لهم.
لم تبدأ رحلات عذاب المواطنين فقط في السنوات الأخيرة فخلال انتفاضة الأقصى أفرغت إسرائيل كل حقدها على المسافرين حين كانت تحدد عدد الحافلات المسافرة بعدد محدد يضطر المسافرون إلى حشر أنفسهم بأعداد كانت تتجاوز المائة مسافر في باص يتوزعون كالأشلاء بين أمتعتهم ويتركهم الإسرائيلي لأكثر من ساعة تكون الحرارة قد تجاوزت الخمسين درجة في الحافلة صيفاً في رحلة تنكيل يتخلى فيها المواطن عن كرامته كشرط للسفر.
أما حركة حماس التي سيطرت على قطاع غزة وتسببت بإغلاق المعبر فقد أخذت سكان القطاع كرهائن حين رأت أن كل الأطراف تكاملت لإغلاق المعبر طالما أن الحركة تحكم غزة بمعزل عن السلطة التي تعترف بها تلك الأطراف كشريك في المعابر، ولم تقصر الحركة فترة حكمها وتلكأت في كل جلسات الحوار الوطني لتوقع أخيراً على نفس ورقة المصالحة التي كان يمكن أن تعفي مواطني غزة من سنوات من البؤس شهدته فترة حكمها فيما كان همها الأول التسهيل لعناصرها وجماعتها.
أما السلطة الوطنية فقد احتكرت بدون منازع تسهيلات الدخول والخروج ليس من معبر رفح فقط بل أيضاً من معبر بيت حانون ومَن مِن مواطني قطاع غزة كان يمكن أن يجد آذاناً صاغية لدى رأس السلطة سوى القليل من المقربين الذين فتحت أمامهم كل بوابات الدنيا، وباستثناء تلك القلة كان حلم السفر لدى كل المواطنين بقطاع غزة بعيد المنال وإن لأسباب ضرورية.
ولم تعمل السلطة بما تمليه عليها مسؤوليتها كما كل الدول تجاه الممنوعين الذين تمتلئ بهم القوائم السوداء في مصر فالدول تقيم الدنيا ولا تقعد من أجل مواطن حين يمنع أو تهدد كرامته، وبقي الجميع بعيداً عن الشعور بالمسؤولية تجاه مواطني غزة.
أما مصر التي يتذكر المواطنون بحسرة الزمن الجميل حين كانت مفتوحة دون تأشيرات إبان عصر عبد الناصر فقد وضعت اشتراطات عمرية دائماً على السفر وفتحت أذنها باتساع لكل وشاة الأمن الذين تباروا في عقاب بعضهم من خلالها لتفتح حواسيبها للتقارير المزيفة حتى ليصل المنع إلى آلاف في حالة غريبة ولا تليق بمصر وحجمها ودورها القومي.
وفي حوار متشح بالحزن بين اثنين لحظة الإعلان عن فتح المعبر أحدهم في الثلاثينات تمنى أن سنوات عمره احترقت ليتجاوز الأربعين ليسافر لمصر كان يحسد رفيقة الأربعيني ليرد عليه الأخير أنهم في الإذلال سواء فهو في قوائم الممنوعين، مستذكرين كيف تتعامل الأردن مع مسافري الضفة الغربية دون قوائم سوداء.
ربما أن ردود الفعل الإسرائيلية بعيد الإعلان عن فتح المعبر أضاءت كل الأضواء الحمر لدى القيادة المصرية لتبدأ بإجراء حسابات العقل بعيداً عن العاطفة والتي كانت بمجملها تعبر أن خطوة فتح المعبر في صالح إسرائيل حيث تلقي بمسؤولية القطاع على مصر، صحيح أنه ظهرت بعض آراء الوزراء في إسرائيل معترضة على فتح المعبر منهم الوزراء عوزي لنداو وزير البنية التحتية وكذلك وزير المالية شتاينتس ووزير المواصلات المتطرف إسرائيل كاتس لكن حسابات الاستراتيجيات كانت أبعد من وعي أولئك بكثير. فالباحث بمركز عيزري والخبير في المجتمع والسياسة الفلسطينية بجامعة حيفا عيدو زلكوفيتش قال ما نشره موقع تيك دبكا "على المدى الطويل فإن فتح المعبر أمر جيد لإسرائيل وإذا ما فتحت المعابر من ناحية مصر سترفع المسؤولية عن إسرائيل وستتحمل مصر تزويد قطاع غزة بالسلع الأساسية وستصبح مصر هي البوابة الرسمية لذلك ينبغي التعامل مع فتح المعبر كفرصة وليس كمخاطرة ".
أما الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي غيورا إيلاند فقد نشر موقع الجيش الإسرائيلي رؤيته التي تلخصت بأن "فتح المعبر يخدم المصلحة الإسرائيلية ولا ينبغي معارضته لأن إسرائيل متهمة بأنها تسيطر على غزة ... من الناحية السياسة فتح معبر رفح ميزة كبرى لإسرائيل" .
ربما إن أفضل من عبر عن موقف إسرائيل هو شلومو أفنيري الذي نشر مقالاً بصحيفة هارتس قال فيه "غزة خارج البلاد ... شكراً لمصر التي تمكن هذا".
أما المراسل العسكري ألكس فيشمان فقال "في جهاز الأمن لا يعربون على نحو مفعم بالمفارقة عن الرضى عن فتح المعبر ورغم أن أحداً لن يقول هذا بصوت مرتفع لكن في المداولات الداخلية وعلى أعلى المستويات في الجهاز العسكري والسياسي في وزارة الدفاع في تل أبيب يوجد إحساس بالسعادة في ضوء الخطوة المصرية أحادية الجانب لأنه من المحتمل جداً أننا نسير أخيراً نحو فك ارتباط كامل عن قطاع غزة ... ما يعني نقل الشكاوى من إسرائيل إلى مصر وستصبح المستشفيات في العريش عنواناً للمساعدة الإنسانية".
يلخص فيشمان قوله "المصريون أدخلوا هدفاً ذاتياً في مرماهم ونظام مبارك لم يرغب في أن يقع في هذا الفخ فيأخذ المسؤولية عن القطاع والنظام الجديد للجنرالات اتخذ الخطوة كي يرضي الإخوان المسلمين ... لكن على المدى البعيد فإن الربح سيكون كله لنا ".
ربما إن هذا صحيح بحسابات السياسة الإستراتيجية ارتباطاً بالهدف الإسرائيلي بفصل قطاع غزة ودفعه باتجاه مصر وهذا ما يبرر تراجع مصر عن التسهيلات بعد شعورها وكأنها تقع في كمين ابتلاع غزة وتنفيذ المشروع الإسرائيلي، ولكن السؤال ألا يمكن إحباط مشروع إسرائيل وتسهيل حياة المواطن وسفره والحفاظ على حريته وكرامته، فقد قيل سابقاً يجب أن يبقى الناس في المخيم حتى لا ينسوا الوطن وكأن على الفلسطيني أن يحيا بائساً وقد ثبت بطلان تلك المقولة وبالإمكان أن يحيا سكان القطاع ويسافروا دون أن يكونوا الكرة التي يركلها الجميع بأقدامه فمن حقهم أن يحيوا كباقي البشر وأن يسافروا كما البشر فقد استهلكت سنوات عمرهم وهم ينتظرون وهم يتحملون المسؤولية أولاً بضياع سنوات الانقسام التي أغلقت آخر نافذة فهل ستفتح حكومة الوحدة القادمة بسرعة السلحفاة تلك النافذة.؟


Atallah.akram@hotmail.com