عن ما هو خارج على كل معقول ومقبول
بقلـم : الد كتور إبراهيم أبراش

2007-02-08
ما يجري في مناطق السلطة أمر خرج عن كل معقول ومقبول، حيث تحولت مناطق السلطة إلى عالـم من الجنون وإن كان لا بد من نسبة الوضع لعالـم السياسة فهو أحق بالوصف باللاأخلاقية السياسية واللاوطنية. الـمشكلة لا تكمن في الشعب، فهذا الشعب أبدع وعمر وتفوق حضاريا، حيث أقام في أرض الشتات، وصمد وناضل وجاهد عسكريا في أرض الوطن حتى حظي بإعجاب كل أحرار العالـم. الـمشكلة تكمن في قلة تنطعت لقيادة الشعب، وقادته فعلا، ولكن... إلى الوضع الذي نعيشه اليوم، الـمشروع الوطني يُدمر، وتتحلل القيم الاجتماعية وتتحول غالبية الشعب إلى جموع من الجائعين والـمتسولين والـمرتزقة والـمسلحين الذين يؤجرون دمهم لـمن يدفع أكثر والسياسيين الذين هم إما جهلاء بالسياسة أو طامعون بالسلطة والجاه، عندما يتقاتل مَن يُفترض أنهم رفقاء درب التحرير مع بعضهم البعض ويمارسون ضد شعبهم من أشكال القتل والدمار ما كنا ننعت إسرائيل حين ارتكابها بدولة الإرهاب، فهذا يعني أن قضيتنا الوطنية ليست بيد أمينة.
لأننا محكومون بنخبة هي خليط من الفشل والفساد والجهل والغرور والانغلاق الفكري، فإنه في مناطق السلطة وخصوصا غزة التي سموها الـمناطق الـمحررة، رئيس لا يعترف به مرؤوسوه، حكومة لا تحكم، أجهزة أمنية تمارس الانفلات الأمني، ثوار بلا ثورة، مجاهدون لـم يعودوا مجاهدين في سبيل الله ولا في سبيل الوطن، بل من أجل السلطة، وقادة فصائل وأحزاب لا يتعدى طموحهم تأمين راتب وسيارة ومرافق وان استطاعوا فكرسي في التشريعي أو في وزارة، منظمات أهلية تعتاش على رشوة الدول والجهات الـمانحة ويقلقها انقطاع التمويل أكثر مما يقلقها الهم الوطني، لجنة متابعة عليا (شاهد مشافش حاجة) أو شاهد زور على ما يجري، تتقن دبج الكلـمات والجمل ودقة الـمرفوع والـمنصوب والـمجرور أكثر من الانشغال الجاد بإبداع حلول لـمشاكل تتابعها منذ سنوات بالرغم من أن كل الفصائل والقوى الوطنية ممثلة فيها، حين يحدث كل ذلك هل يكون للعقل والعقلاء مكان تحت شمس وعلى شواطئ غزة البلد الأكثر جنونا في العالـم؟حين يحدث ذلك ماذا يتبقى من مقولة أن الدم الفلسطيني على الفلسطيني حرام؟.
في ظل أوضاع كهذه، هل ستكون هناك مصداقية لأي خطاب فلسطيني ينتقد العرب والـمسلـمين لتقصيرهم في دعم الشعب الفلسطيني؟ أو ينتقد أميركا والغرب لتحيزهم لصالح إسرائيل؟ كيف نطلب من الآخرين أن ينحازوا لقضيتنا الوطنية فيما أحزابنا السياسية غير منحازة لها حيث مصلحة الحزب والسعي للسلطة بالنسبة لهم أهم من الـمصلحة الوطنية؟ ألا يخفف ما يجري في شوارع غزة والضفة من الـمسؤولية عن إسرائيل لـما اقترفت من جرائم بحق الشعب الفلسطيني أو يجعل الناس ينسون هذه الجرائم ،لأن ما يجري يعني أن من دفعوا الشباب للقتال ضد إسرائيل لـم يكونوا حريصين على الـمصلحة الوطنية بل كانوا يرفعون رايات الجهاد والـمقاومة ليس في سبيل الله والوطن بل في سبيل السلطة!.
يبدو أنه كتب على الشعب الفلسطيني، شعب البطولات والتضحيات، صاحب أعدل قضية في مواجهة أخطر مشروع استعماري استيطاني، أن يتحكم في مصيره مَن يملك الـمال والسلاح، وحيث إن من يتحكم بالـمال والسلاح يتحكم بالقرار السياسي، وحيث إن الـمال والسلاح مصدرهما خارجي، فإن القرار الفلسطيني الـمستقل يصادر لـمصلحة الخارج. كل ذلك يدفع للقول إن الـمكونات الداخلية للنظام السياسي الفلسطيني وصلت إلى طريق مسدود من حيث القدرة على التوصل لقيادة ولاستراتيجية عمل وطني، مما يثير الخشية من تسوية سياسية للنظام الفلسطيني تطبخ وتسوى في الخارج ثم تفرض على الفلسطينيين.
بعد اثنتي عشرة سنة من سلطة حركة فتح حيث تعثر الـمسار السياسي للتسوية وعم الفساد، وبعد سنة من حكم حركة حماس حيث انغلق الأفق السياسي وعم الفقر وتفاقمت الفوضى، فهل كُتب على الشعب الفلسطيني أن يقع بالإضافة إلى الاحتلال تحت الـمطرقة والسندان، مطرقة الفساد السياسي وسندان الجهل السياسي؟.
قد يقول قائل إنك تظلـم النخبة السياسية والفصائل وتبدد كل أمل بالتوافق والاتفاق، وإنه تم الاتفاق على وثيقة الوفاق الوطني وعلى أكثر من 90% من القضايا الخلافية ولـم يتبق إلا القليل!. كنا نتمنى أن يكون ذلك صحيحا ولكن ...، إن كانوا متفقين على ما تسمى وثيقة الوفاق الوطني أو وثيقة الثوابت الوطنية، فلـماذا يتقاتلون في الشوارع؟ ولـماذا يسقط أكثر من ستين قتيلا في أقل من شهر نتيجة الاقتتال الداخلي؟ وإن كانوا متفقين على وثيقة الوفاق الوطني، فلـماذا لـم يتوصلوا إلى اتفاق بالنسبة لحكومة الوحدة الوطنية؟ وإن كان تشكيل حكومة الوحدة الوطنية والتي هي بند من ثمانية عشر بندا تتضمنها وثيقة الوفاق الوطني، فمتى سيتم الاتفاق على البنود الأخرى وخصوصا بالنسبة لـمنظمة التحرير؟.
وإلى حين تشكل قوى سياسية جديدة متحررة من سطوة أيديولوجيا وأموال أطراف خارجية وأجندتها الخاصة، وهناك حاجة ضرورية وملحة لـمثل قوى كهذه، إلى حين أن يحدث ذلك، نتمنى التوصل إلى اتفاق لحكومة وحدة وطنية، اتفاق حقيقي ليس فقط لرفع العتب وكسب الوقت والتحايل على الدعوة للانتخابات الـمبكرة، وان يتبع تشكيل هذه الحكومة القائمة على الثوابت الوطنية الـمنصوص عليها في وثيقة الوفاق الوطني، الجلوس إلى طاولة الـمفاوضات مع إسرائيل وتحت رعاية الرباعية لتنفيذ خطة خارطة الطريق، لأن إسرائيل توظف كل يوم يمر دون العودة لـمسار التسوية لتقوم بمزيد من مصادرة الأرض وتهويد القدس وفرض سياسة الأمر الواقع، لا يعني هذا أن إسرائيل جادة بالسلام أو أن خطة خارطة الطريق هي تجسيد لطموحاتنا، بل حتى نرمي الكرة في الـمرمى الإسرائيلي وننزع الذرائع من يد إسرائيل وكل الأطراف الخارجية التي تحمل الحالة الفلسطينية الـمسؤولية عن تعثر مسار السلام، ولهذا لا نستبعد وجود أياد إسرائيلية فيما يجري سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
نتمنى على الإخوة في حركة فتح التسليم بان حركة فتح ليست قدرا محتوما على الفلسطينيين وأن التاريخ لا يصنع شرعية سياسية دائمة، وإن أرادوا الحفاظ على حضورهم السياسي عليهم الاعتماد على شرعية الانجاز في الحاضر ويبددوا الصورة السلبية التي التصقت بهم نتيجة اثنتي عشرة سنة من السلطة، كما نتمنى على الإخوة في حركة حماس عدم الانزلاق نحو مشاريع دينية أممية على حساب الـمشروع الوطني، وألا ينخدعوا بالأصوات الخارجية التي ضخمت من فوزهم في الانتخابات التشريعية مصورين ذلك انتصارا للـمشروع الإسلامي العالـمي ويجب الحفاظ على هذا الانتصار بأي ثمن، إلى غير ذلك من الخطابات التي دفعت حركة حماس للتعالي على الـمشروع الوطني وقواه الوطنية، ونتمنى على حركة حماس أن تقول لحلفائها ومرجعياتها في الخارج، إن كانوا يريدون نجاح مشروع الإمارة الإسلامية فليبحثوا عن هذا النجاح في الدول الإسلامية الـمستقلة وذات السيادة، في مصر او الأردن او السودان أو أفغانستان الخ، أما في فلسطين فهناك خصوصية تجعل الـمسألة الوطنية والـمشروع التحرري الوطني سابقا على أي مشاريع أخرى.
في الـمجتمعات الإسلامية الأخرى يمكنهم تغييب البعد الوطني أو إلحاق الوطني بالديني دون خوف على الهوية الوطنية والدولة الوطنية، أما في فلسطين فيجب إلحاق الديني بالوطني، أي توطين الإسلام السياسي، وعندما ننجز مشروعنا الوطني التحرري ودولتنا الوطنية،آنذاك يكون لكل حادث حديث.
حتى لا نظلـم الـمقاومة الحقيقية يجب التأكيد أن الـمقاومين والـمجاهدين الحقيقيين أولئك الذين نذروا أنفسهم للـمقاومة وهم براء مما يجري ويستنكرون ما يجري، وهناك تيار كبير داخل حركة فنح وداخل حركة حماس بالإضافة للـمقاومين في الفصائل الأخرى يستنكر ما يجري، وهؤلاء الـمقاومون الحقيقيون يفترض بهم أن يخطوا خطوة للأمام أكثر من مجرد الاستنكار الصامت ويعلنون صراحة أن ما يجري لا يعكس الـموقف والقيم الحقيقية للـمقاومة والجهاد وان ما يجري يسيء للقضية الوطنية وللـمقاومة والجهاد فكرا وممارسة.
وأخيرا لا بد من الإشارة لظاهرة ــ سنتطرق لها بتوسع في مقال قادم ــ وهي توظيف الجهاد ــ فكرا وممارسة ــ من جهاد في سبيل الله والوطن وفي مواجهة عدو خارجي إلى ورقة قوة وتمايز في حروب أهلية، هذا ما جرى بالنسبة للـمجاهدين الأفغان سابقا وبالنسبة لحزب الله في لبنان وحركة حماس في فلسطين حاليا.

Ibrahem_ibrach@hotmail.com