آراء

نحو تغيير قواعد اللعبة مع الاحتلال الإسرائيلي

سامر سلامة

2018-10-11

ألقى الرئيس محمود عباس خطابا شاملا في افتتاح الدورة 73 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في السابع والعشرين من شهر أيلول 2018 استعرض خلاله الموقف الفلسطيني اتجاه كافة القضايا التي تمر بها القضية الفلسطينية، ابتداءً من رفض قانون القومية العنصري، مرورا برفض ما يسمى صفقة القرن الذي ينوي الرئيس الأميركي ترامب إطلاقها، انتهاء بإعادة النظر بكافة الاتفاقيات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي في ظل تنكر دولة الاحتلال لتلك الاتفاقية واستمرارها ببناء المستوطنات وتهويد القدس وتدمير الاقتصاد الفلسطيني وحصار قطاع غزة وسرقة أموال المقاصة وغيرها.
وقد أجمع معظم المحللين السياسيين على أن الخطاب فيه رسائل أكثر من مهمة لإسرائيل والولايات المتحدة والعالم والداخل الفلسطيني. ويمكن استنباط  الدلالات والأبعاد والرؤى الاقتصادية للخطاب من خلال حديث الرئيس الواضح عن إعادة النظر بكافة الاتفاقيات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي، أضف إلى ذلك إن القيادة الفلسطينية لن تقبل بعد الآن بأن تكون سلطة بلا سلطة، وأن السلطة الفلسطينية لن تقبل باستمرار الوضع الراهن كما هو. فما هي الدلالات الاقتصادية لهذه العبارات في خطاب السيد الرئيس؟ وإلى أين تتجه البوصلة في المرحلة القادمة؟ وما هي قدراتنا كسلطة وشعب على مواجهة التحديات الاقتصادية القادمة؟ 
أولا: فيما يتعلق بإعادة النظر بالاتفاقيات الموقعة فإن الرئيس كان يعني كافة الاتفاقيات بما في ذلك بروتوكول باريس الاقتصادي الذي ينظم العلاقة الاقتصادية بين حكومة الاحتلال والسلطة الوطنية الفلسطينية. فإسرائيل منذ اليوم الأول لم تنفذ بنود هذا البروتوكول ولم تلتزم به، الأمر الذي حال دون تمكين الجانب الفلسطيني من بناء اقتصاد مستقل أو شبه مستقل، الأمر الذي أضر بالاقتصاد الفلسطيني وجعله اقتصاداً تابعاً بالكامل لاقتصاد الاحتلال. كما أدى ذلك إلى خلق مجموعة ليست صغيرة من المنتفعين من هذه العلاقة المشوهة بين اقتصاد الاحتلال والاقتصاد الفلسطيني. ولم تكتف السلطات الإسرائيلية بذلك بل عملت على تقويض الاقتصاد الفلسطيني وحصاره ومنعه من النمو من خلال منع الوصول إلى واستخدام الموارد الحيوية لتعزيز الإنتاج المحلي مثل منع الاستثمار في المناطق المصنفة «ج» والاستفادة من الموارد الكامنة في تلك المناطق. وقد تعدت الإجراءات الإسرائيلية المستهدفة للاقتصاد المحلي الفلسطيني لتشمل استقطاب الأيدي العاملة الماهرة الفلسطينية وإغراءها بعدد من الامتيازات المادية الأمر الذي أفقد الاقتصاد الفلسطيني أهم مقومات نموه والمتمثل في العامل البشري، ما أدى إلى اختلال واضح في سوق العمل الفلسطينية وبالتالي كبح عملية التنمية المحلية والنمو. وإن حصار قطاع غزة أيضا يأتي ضمن نفس التوجهات والخطط الرامية إلى تدمير اقتصاد القطاع وجعله تحت رحمة سلطة الاحتلال. فكلام الرئيس الواضح بأننا لن نقبل باستمرار الوضع على ما هو عليه وبأننا لن نقبل أن نكون سلطة بلا سلطة فيه ما يكفي من الدلالات بأن القيادة الفلسطينية عازمة كل العزم على الالتزام بقرارات المجلسين الوطني والمركزي الأخيرين بإعادة النظر ببروتوكول باريس الاقتصادي وتبني خطة اقتصادية تدرجية تقود إلى مزيد من الاستقلال للاقتصاد الفلسطيني.
فأمام هذه الدلالات الاقتصادية للخطاب، إلى أين تتجه البوصلة؟ وما هي قدراتنا كسلطة وشعب على مواجهة التحديات الاقتصادية القادمة؟ إنني أعتقد أن الرئيس والقيادة الفلسطينية عازمون على تغيير قواعد اللعبة مع الاحتلال الإسرائيلي وسيكون للبعد الاقتصادي دوره في هذا الموضوع.
إننا لا نستطيع أن ننكر أن اقتصادنا الفلسطيني مكبل وهش ومحاصر وتابع للاقتصاد الإسرائيلي ويمكن لإسرائيل أن تعبث به وتضغط علينا لتقديم تنازلات كما اعتدنا خلال الخمس والعشرين سنة الماضية، وبهذا فإننا نجد أنفسنا على المدى القصير نسير نحو الكارثة، إلا أننا على المدى المتوسط والبعيد وإذا نجحنا في إحداث التفاف جماهيري على السياسات الاقتصادية الجديدة التي تناكف سياسات الاحتلال فإننا سنكتشف أننا نسير في الاتجاه الصحيح.
وفي معادلة حساب الربح والخسارة فإن السؤال المطروح ماذا سنخسر وماذا سنربح؟. فإن الموضوع بحاجة ماسة إلى دراسة معمقة لميزان الربح والخسارة وربط هذا الميزان بالميزان السياسي أيضا. فأول الأسئلة العميقة التي نريد أن نطرحها على أنفسنا، هل نريد المال أم الوطن؟ وعندها ستكون الإجابة بالتأكيد الوطن. وعليه فإن الطريق ستكون أكثر وضوحا. ولكن ما هو المطلوب على مستوى القيادة والشعب؟.
فالمطلوب أولا تفعيل وتأطير ومأسسة سلاح المقاطعة لجميع البضائع التي توجد لها بدائل في السوق الفلسطينية وعدم ترك الموضوع لمزاج المستهلكين وخاصة أننا قد اختبرنا العديد من المبادرات الشعبية للمقاطعة والتي انتهت بالفشل. كذلك من المطلوب تقنين وتأطير ومأسسة العلاقة التجارية مع إسرائيل وعدم فتح الأبواب على مصراعيها لاستيراد جميع المنتجات والخدمات من دون قيود. أضف إلى ذلك التخلي عن إسرائيل كوسيط لاستيراد المنتجات المختلفة وخاصة البترول والكهرباء واستبدالها بالأردن ومصر. كذلك الحال فإنه مطلوب منا دعم المنتج الوطني وزيادة وعي الشعب بأهمية استهلاك المنتجات الوطنية لما في ذلك من أهمية قصوى على الناتج المحلي الفلسطيني وخلق فرص عمل جديدة. ولا نريد أن ننسى تعزيز الاقتصاد المنزلي والريفي وتعزيز قدرة العائلات الفلسطينية على إعادة الاعتبار للإنتاج المنزلي إن لم يكن بهدف الربح أقله بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي، الأمر الذي سيعزز من صمود أهلنا أمام أي كبوات اقتصادية قادمة. كل ذلك وغيرها من المبادرات الخلاقة التي من شأنها تعزيز قدرات الاقتصاد الوطني الفلسطيني. وهذا يتطلب مزيدا من الالتفاف الشعبي حول القيادة والحكومة ودعم قراراتهم المستقبلية الرامية إلى دعم وتعزيز الاقتصاد الوطني لتعزيز صمود أبناء شعبنا في معركته السياسية القادمة مع الاحتلال. 

* وكيل وزارة العمل.
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: