«صفقة القرن» عالقة على حاجز أبو مازن

2018-08-10

بقلم: أمير تيفون وعاموس هرئيل
الصيغ الطنانة التي ألصقتها إدارة ترامب بخطة السلام، التي يجري العمل عليها منذ عام ونصف العام في البيت الأبيض، لم تنتهِ بعد.
ستكون تاريخية، وستكون صفقة مثالية، وستكون الأولى على الإطلاق التي سترد عليها إسرائيل والدول البارزة في العالم العربي بشكل إيجابي، بصرف النظر عن رد فعل الفلسطينيين.
اعتقدت الإدارة الأميركية، حتى وقت قريب، بأنها تستطيع تحقيق هذا الهدف، لكن المعارضة القوية للخطة من قبل رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، أثبتت أنها تمثل تحديا أكبر من تقدير واشنطن في البداية.
في الأسابيع الأخيرة، تحدثت "هآرتس" مع عناصر مختلفة في الإدارة الأميركية وإسرائيل ودول أخرى في المنطقة حول عملية تطوير الخطة والخطوات المقبلة للإدارة.
ويستدل من المحادثات، التي تكشف تفاصيل من وراء كواليس صياغة الخطة، أن البيت الأبيض لديه بالفعل وثيقة كاملة، تمتد على عشرات الصفحات، وتحتاج فقط إلى بعض "الصقل" النهائي. وحسب مصدر رفيع في البيت الأبيض، من المتوقع أن يسبب مضمون الوثيقة "استياء" في الجانب الإسرائيلي وفي الجانب الفلسطيني.
لكن التاريخ النهائي لنشر الوثيقة لم يُحدد بعد، فالإدارة تنتظر، في هذه الأثناء، بسبب المخاوف الكامنة من عواقبها. وقد عبّر القادة العرب عن هذه المخاوف أمام جارد كوشنير، صهر الرئيس، ومبعوثه الخاص، جيسون غرينبلات، خلال زيارتهما الأخيرة إلى الشرق الأوسط منذ حوالي الشهر ونصف الشهر.

ميراث ترامب
ولكن قبل التأخير، يجب أن نعود إلى بداية آذار 2017، عندما بدأت الخطة في التبلور. في تلك الأيام، قام غرينبلات بأول زيارة له للمنطقة كمبعوث خاص.
وحسب مصادر تحدثت إلى "هآرتس"، في ختام تلك الزيارة، خلص المبعوث الخاص إلى أن الولايات المتحدة "ورثت" فرصة نادرة للربط بين إسرائيل ودول عربية، في ضوء التقاء مصالح الطرفين حول القضية الإيرانية.
وقد أوضح مسؤول كبير في البيت الأبيض، هذا الأسبوع: "من الواضح للجميع أن المنطقة تغيرت في السنوات الأخيرة. العالم العربي وإسرائيل يشتركان في الكثير من المصالح والأهداف المشتركة، وبالطبع، التهديدات المشتركة الناجمة عن أنشطة إيران الضارة في الشرق الأوسط".
ومنذ ذلك الحين، بدأ غرينبلات وكوشنير والسفير الأميركي في إسرائيل، ديفيد فريدمان، بالتركيز على محاولات استغلال التقارب الإسرائيلي - العربي في المصالح من أجل دفع خطة السلام. ووفقا لما ذكرته مصادر من خارج الإدارة، كان التفاؤل كبيرا في واشنطن. فقد آمنوا في البيت الأبيض بأنهم سينجحون في طرح خطة تكون مقبولة في كل من الرياض والقدس.
ولكن بعد ذلك جاء كانون الأول ومعه الإعلان عن نقل السفارة الأميركية إلى القدس.
ووفقاً لمسؤولين كبار في إسرائيل والعالم العربي، لم يقم البيت الأبيض بتقييم تأثير قرار ترامب في موضوع القدس على الجهود المبذولة للحصول على ردود إيجابية من الدول العربية على خطة السلام.
ويقولون إن عباس استخدم الاعتراف بالقدس لكي يجعل من الصعب على القادة العرب التعبير عن دعمهم لخطة ترامب وللإساءة إلى صورة فريق السلام الأميركي في العالم العربي.
ويستدل على الثقة الذاتية لدى كبار أعضاء فريق السلام من الحقيقة الآتية: عندما قرر البيت الأبيض في كانون الأول الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، قال كوشنر وغرينبلات في إحاطة إعلامية بأنهما يعتقدان أنه في غضون بضعة أشهر سوف يتلاشى الغضب حول هذه القضية وستحظى خطتهم بالتعزيز. لكن من الناحية العملية، بعد تسعة أشهر، ما زال عباس يقاطع الإدارة، في حين أن قادة العالم العربي مترددون بشأن خطة السلام.
إحدى المعضلات التي واجهتها الإدارة في السياق العربي، كما وصفها مصدر دبلوماسي مطلع على الاتصالات في هذا الشأن، هي إذا ما كان الأمر يستحق الحصول على دعم القادة العرب للخطة، وإذا كان هناك احتمال بأن يعرضهم ذلك للخطر على الجبهة الداخلية، بالإضافة إلى كونه سيسمح لإيران بمهاجمتهم كمتعاونين مع إسرائيل.
وفقا للمصدر، يجب أن تجد الخطة "نقطة محددة" يمكن أن تقبلها إسرائيل والأنظمة العربية، دون التعرض لنقد شديد الخطورة في الداخل والمنطقة.
لكن انتقاد الفلسطينيين الشديد للخطة، ومقاطعتهم لإدارة ترامب، يجعل هذه الخطوة صعبة.
وهذه ليست الصعوبة الوحيدة. إحدى مشكلات الإدارة هي أنه طالما لم تنشر أي تفاصيل حول الخطة، فإن صورتها ستكون مبنية على التسريبات والمنشورات المختلفة، التي ينفيها البيت الأبيض، لكنه يجد صعوبة في صدها.
في إحدى المحادثات المغلقة، سُئل غرينبلات حول عدة تقارير وردت في وسائل الإعلام الإسرائيلية والعربية وأشارت إلى عزم الإدارة إقامة دولة فلسطينية في سيناء.
ووفقا لمصدرين تم اطلاعهما على المحادثة، قال غرينبلات إن هذه التقارير غير صحيحة، والأهم من ذلك أن هذه "نظرية مؤامرة".
وفقاً لمصادر من خارج الإدارة، تحدثت إلى "هآرتس"، من المتوقع أن يكون قلب خطة السلام في الضفة الغربية وغزة.
وعلى الرغم من أن الإدارة تحاول الترويج لمشاريع اقتصادية في شمال سيناء تخدم قطاع غزة في مجالات مثل الطاقة والزراعة والتجارة، إلا أن هذه المشاريع لا تشير إلى تغيير واسع في السياسة.
ويعتقد البيت الأبيض أن العناصر المهتمة بفشل الخطة تنشر نظريات أخرى في وسائل الإعلام في المنطقة، من أجل تقويض فرص نجاحها.
وكمقدمة لاستئناف محادثات السلام، حاولت الإدارة، على مدار العام الماضي، الترويج لمبادرات لتحسين الوضع على الأرض.
وكان المنطق وراء هذه المحاولات هو أن عرض التقدم "على الأرض" من شأنه أن يخلق زخما إيجابيا.
وقد نجحت بعض هذه الخطوات - مثل اتفاقية المياه الإسرائيلية الفلسطينية التي وقعت، العام الماضي، والتي أشاد بها البيت الأبيض - لكن معظمها انتهى بالفشل بسبب الصعوبات السياسية في إسرائيل والسلطة الفلسطينية.
هكذا، على سبيل المثال، نظرت الإدارة بالإيجاب إلى "خطة قلقيلية" التي اقترحها، العام الماضي، وزير الأمن، أفيغدور ليبرمان، ومسؤولون كبار في الجيش الإسرائيلي.
وكان يفترض بالخطة أن توسع منطقة نفوذ المدينة الفلسطينية والسماح ببناء آلاف الوحدات السكنية الجديدة.
من وجهة نظر البيت البيض، كان يفترض أن تشكل الخطة دليلا على احتمال حدوث تطورات إيجابية على الأرض، لكن المجلس الوزاري الأمني - السياسي أحبط المبادرة، ويرجع ذلك أساسا إلى الضغط من "البيت اليهودي" وأجزاء من "الليكود".
في الجانب الفلسطيني أيضاً، أصيب الأميركيون بخيبة أمل. مثلا، رفض عباس تغيير سياسة دفع الرواتب للأسرى المدانين بارتكاب أعمال "إرهابية"، كما أعرب ترامب عن غضبه على عباس بعد أن قدم له نتنياهو شريط فيديو يوثق التحريض في وسائل الإعلام الرسمية للسلطة الفلسطينية.
في هذه المرحلة، الأمل الوحيد للإدارة الأميركية في خلق زخم إيجابي قبل تقديم خطة السلام يكمن في التوصل إلى "ترتيب" سياسي في غزة. قبل بضعة أشهر، عقد غرينبلات وكوشنير مؤتمراً دولياً حول غزة في البيت الأبيض، حضره ممثلون عن إسرائيل وعدة دول عربية، ولكن ليس من السلطة الفلسطينية.
بشكل عام، تمثل رام الله تحديا كبيرا للإدارة، لا سيما فيما يتعلق بقضية غزة. من ناحية، يتطلب أي تقدم في قطاع غزة مشاركة السلطة الفلسطينية، ومن ناحية أخرى، رفض عباس حتى الآن مناقشة القضية مع الإدارة، ويجعل من الصعب على مصر التوصل إلى اتفاق حول هذه المسألة.

اللحن قصير الأجل
في الأسبوع الماضي، وللمرة الأولى منذ شهور، كان يمكن رؤية تطور إيجابي في العلاقة بين الإدارة الأميركية والسلطة الفلسطينية. لقد قرر البيت الأبيض تحويل عشرات ملايين الدولارات إلى قواتها الأمنية، والتي تم تجميدها منذ بداية العام كجزء من "إعادة فحص" المساعدات للفلسطينيين. وقال مسؤول كبير في الإدارة لصحيفة "هآرتس" إن الأموال تم تحويلها إلى السلطة الفلسطينية من أجل دعم استمرار التنسيق الأمني بين إسرائيل والسلطة، ما ينقذ الأرواح ويمنع أعمال "الإرهاب".
لكن هذا اللحن لم يدم طويلا. فبعد يومين فقط من نقل الأموال، عادت الإدارة والسلطة الفلسطينية إلى الصدام مرة أخرى، في أعقاب تقارير أفادت بأن كوشنير حاول إلغاء مكانة اللاجئ لدى ملايين الفلسطينيين في الأردن. واتهم عباس البيت الأبيض بالتآمر "لشطب" القضية الفلسطينية، بينما أكدت الإدارة أنه لا يوجد مفر من تغيير تفويض "الأونروا"، التي تساعد اللاجئين الفلسطينيين وأحفادهم.
وعلى الرغم من تناوب الضربات في نهاية الأسبوع، يحاول البيت الأبيض البث بأنه يعمل "كالمعتاد". وأوضح أحد كبار المسؤولين الذين تحدثوا مع "هآرتس": "نحن نريد لخطتنا أن تتحدث عن نفسها. سيتفهم الناس من كلا الجانبين أن وضعهم سيكون أفضل بعد الاتفاق، مقارنة بالوضع الحالي، ونعتقد أن الأشخاص المشاركين في العملية يريدون مستقبلا أفضل لأطفالهم. خطتنا ستوفر للجانبين فرصاً نادرة لتحقيق ذلك".
كما شددت الإدارة على أن برنامجها سيتعامل "ليس فقط مع المعايير العامة التي لم تؤد إلى حل في الماضي، ولكن أيضا مع القضايا العملية التي من شأنها أن تؤكد للجانبين "كيف يمكن تحسين حياتهم".
وهكذا، بالإضافة إلى التعامل مع "القضايا الأساسية" للصراع، من المتوقع أيضا أن تناقش الوثيقة الأميركية المشاريع الاقتصادية لتحسين الوضع في الضفة الغربية وغزة، وسبل ربط الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي.
وخلص المسؤول الكبير إلى أن "هدفنا هو أن نقدم للطرفين طريقة واقعية لإنهاء الصراع، ولا نريد مواصلة مناقشة الحجج القديمة وغير الفعالة".

عن "هآرتس"

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: