"تبغ وزيتون" لمعين الطاهر .. سيرة ذاتية حكائية ترصد محطات من زمن المقاومة

2018-08-07


كتب يوسف الشايب:

"في الحرب الأهلية اللبنانية شاركت الأخوات في حمل السلاح دفاعاً عن مناطقهن. وكان من المعتاد والمألوف أن تراهن في رأس النبع، والبرجاوي، وعاريا، ومناطق أخرى .. أذكر في أحد الأيام كان دور مناوبتي في البرجاوي مع حمدي وحسام أبو النور وغيرهم، وكانت معنا دينا ... شنت قوات الكتائب هجوماً على الحي، طلب منها حمدي الوقوف خلف رشاش دكتريوف بالقرب من إحدى النوافذ لتغطيتنا بنيران رشاشها ونحن نتقدم للالتفاف على المهاجمين وإفشال محاولة حصارنا. لم تنقطع طلقاتها، ولم تتراجع خطوة واحدة إلى الخلف، أو تختبئ اتقاء للقصف المتواصل، ظلت وثّابة كنمرة".

كانت هذه واحدة من ذكريات معين الطاهر، التي وثقها في كتابه الموسوم بـ"تبغ وزيتون: حكايات وصور من زمن مقام"، والصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في سيرة ذاتية ليست منغلقة على نفسها، بل تشكل إضاءة على سيرة جمعية مكتملة بشخوصها وحوادثها.

ويعود الطاهر ليتذكر: برزت قائدات للعمل النسوي مثل أم خالد وأم أحمد البرج، وبهية، ونجاة، وآمنة ... في تلك المرحلة لمع دور ما أطلقنا عليه "بنات علي أبو طوق" من طالبات الثانويات، مثل آمنة ومارينا وأمل وندى ومنى ودلال المغربي وغيرهن، وكذلك بنات نادي الظريف والبسطة والخندق والبرج والجامعات، اللواتي لم يشغلهن واجبهن العسكري عن دورهن الاجتماعي والثقافي والإنساني، فأقمن المستوصفات والمراكز الصحية والاجتماعية، واهتممن بالتعليم ونشر الوعي في المخيمات والأحياء الفقيرة. وفي الجبل شكل فصيل كامل من الأخوات، وكان مقره في معسكر بيصور.

"عند انتقالنا إلى الجنوب حاولنا تأليف فصيل مستقل من الأخوات، ونجحنا في ابتكار أشكال مختلفة منها في بعض الأحيان، لكن الفكرة لم تنجح في الجنوب، واقتصرت مشاركة الأخوات في عملنا هناك على الخدمات الطبية، والقيام بزيارات اجتماعية للأسر، وزيارة المواقع نهاراً والعودة منها بعد الليل. أما الأخوات في باقي المناطق فقد انحصر دورهن في تعبئة أكياس الرمل، والمساهمة في التحصين، أو في التعليم والخدمات الطبية بالقرى والمخيمات، وأحياناً في نشاط مثل تجهيز كنزة للمقاتل، أو إحضار حلويات وأطعمة في المناسبات، إضافة بالطبع إلى دورهن التنظيمي والسياسي".

"لم تقنع دلال بهذا الدور على الرغم من أن جهاد سمح لها بمغادرة المستوصف والبقاء في موقع تلة المسعود نهاراً. لكني في الحقيقة لم أجد ذلك مقبولاً ومتلائماً مع عادات الجماهير في الجنوب اللبناني. وناقشت دلال كثيراً في أهمية دورها بالمستوصف والخدمات الاجتماعية والطبية وفي هذا الموقع المتقدم، إلى حين تمكنا من إنشاء فصيل كامل متفرغ للأخوات. لكنها لم تقتنع وأصرت على أن تكون فدائية مقاتلة مثلها مثل أي شاب، ثم ما لبثت أن غادرتنا دلال للانضمام إلى مجموعة خاصة كان يعدها الشهيد خليل الوزير (أبو جهاد). وقبل موعد دوريتها بأيام زارت أم أحمد (والدة الشهيدين أحمد وجمال)، وأمضت ليلة كاملة عندها ... وفي وصيتها ذكرت دلال زملاءها في الكتيبة، وأثنت بخاصة على الشهيدين سعد جرادات، وعلي أبو طوق".

نابلس .. حزيران 1967
ويبدأ الطاهر كتابه تحت عنوان "بدايات" في توثيق ذكرياته حول الثامن من حزيران 1967 في نابلس، فكتب "تعالت الأصوات، ها قد وصلت الدبابات العراقية إلى البوابة الشرقية للمدينة. ركضت كغيري من الفتية لمشاهدتها والترحيب بها. امتلأت صدورنا حماسة وقلوبنا يقيناً بأن العودة إلى يافا ستتحقق في غضون ساعات أو أيام ... بيتنا قريب من المدخل الشرقي للمدينة التي كانت فيما مضى تبدأ من مبنى يطلقون عليه اسم العمارة، وهو مقر للجيش والأمن وأجهزة الدولة".

"تقدمت نحو العمارة فوجدت عدداً من الدبابات يرابط في زوايا الشوارع، وكلما جاءت أخرى يصفق لها الجمهور الواقف على الأرصفة. أكد أحد الحاضرين أنها دبابات عراقية وصلت حالاً. كيف لا وقد جاءت من جهة الشرق؟ .. تشجع البعض وحاول التحدث مع الجنود، ثم عاد ليقول للحضور إنها دبابات جزائرية، مستدلا على ذلك بأن جنودها يتحدثون عربية متعثرة، لذا فهم حتماً جزائريون. علق البعض: ليس مهما إن كانت عراقية أو جزائرية، المهم أنها طليعة الجيوش العربية الزاحفة .. وبينما الجمع منشغل بهوية الدبابات، إذ برجل عجوز يحمل بندقية كندية قديمة وزع الجيش العربي الأردني أعداداً منها على المواطنين صباحاً، ومع كل بندقية خمس طلقات، يأتي مسرعاً للترحيب بما ظنه الجيوش العربية المنتصرة، وما إن لمحه أحد الجنود حتى أطلق نيران مدفعه الرشاش نحوه، ليسقط الشيخ صريعاً مضرجاً بدمائه. فهرب الجميع .. ظهرت الحقيقة، أي كابوس قد حل بنا؟".

من يافا
ولم يغفل الطاهر في "تبغ وزيتون" الحديث عن هجرة عائلته من يافا العام 1948 "بعد استشهاد عمي فيصل الكيميائي خريج جامعة القاهرة وخبير المتفجرات، إثر انفجار عبوة ناسفة كان يحضرها ليستخدمها ثوار العرب. المصادفة وحدها هي التي أنقذت العشرات من نساء العائلة ورجالها الذين كانوا يساعدونه في تنظيف القنابل الصدئة قبل إعادة تعبئتها بالبارود، إذ تصادف أن جاء من يدعوهم إلى الغداء، وألحوا عليه أن يرافقهم، فطلب منهم الذهاب على أن يلحق بهم بعد الانتهاء من العبوة التي كان يعدها لتسليمها للمجاهدين .. بعد أن غادروا بدقائق، ثمة دوي انفجار مروع هز يافا بأسرها".

"كان حظنا أفضل من غيرنا من المهاجرين الذي اكتووا بنار النكبة، ذلك أن أبي وأعمامي تلقوا تعليماً عالياً قياساً بذلك الوقت، ولدينا فرع نابلسي لمكتبتنا في يافا التي أسست مطلع القرن، وفقدناها بما تحتوي من كتب ثمينة وقيمة، وفرع آخر أسس لاحقاً في عمّان. عبر كتب هذه المكتبة التي كنا نجلس على سدتها ساعات طويلة نهلت أولى قطرات المعرفة. كما تملك عائلتنا بيوتاً في نابلس هي من وقف ذري لجدي أسعد، وقد تضامن الفرع النابلسي مع أبناء عمومتهم الآتين من يافا، وتقاسموا السكن معهم في هذه البيوت، لذا لم يضطر أحد من عائلتنا إلى أن يلجأ إلى المخيمات التي أقيمت على عجل".

علي أبو طوق
وتحدث الطاهر أيضاً عن إربد التي حطت الرحال به وبوالدته فيها، وعن تجدد علاقته بحركة فتح، وعمله في جمع التبرعات وتجنيد الأعضاء الجدد، وتعرف إلى هاني الحسن الذي جاء إلى إربد مندوباً عن القيادة، ولم يكن يملك الحسن وقتها سيارة، هو الذي شرح للطاهر ورفاقه حول نشرات "فتح" الأولى "بيان حركتنا"، و"لماذا أنا (فتح)"، و"طلائع الثورة"، وكيف كان يقضي وقتاً طويلاً معهم هم الذين تراوحت أعمارهم بين اثني عشر وثمانية عشر عاماً.

ولم يغب رفيق دربه الشهيد علي أبو طوق، من مؤسسي الكتيبة الطلابية وقادتها عن صفحات الكتاب، كما لم تغب ذكريات معركة الكرامة، وتنظيم "الباص"، وهو التنظيم الطلابي الذي بات مسلحاً وتوسع ليضم أربعمائة طالب وطالبة في العام 1970 أغلبهم من طلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية.

ومما كتبه عن صديق عمره الشهيد علي أبو طوق، "أذكر أن المرة الأولى كانت العام 1976، حين كان يشغل موقع قيادة منطقة راس النبع في بيروت، وتمكن مع إخوانه من حماية المنطقة، بل وإنقاذ حي البرجاوي المجاور والممتد على شكل شريط ضيق داخل حي الأشرفية، ومنع قوات الكتائب من احتلاله، وضمن بذلك سلامة المناطق الإسلامية في رأس النبع والبسطة. على أن الإنجاز الأهم الذي سجله تمثل بحماية أمن سكانها، مسلمين ومسيحيين، من نهب عملاء الأجهزة ومروجي الفتنة الطائفية وتجار الحروب المستترين ببعض اللافتات الوطنية وترويعهم، فقي راس النبع أنقذ علي أرواح العشرات من سكانها المسيحيين، وعزز روابط الوحدة والمحبة بينهم وبين إخوانهم المسلمين، وأقام اللجان الشعبية من سكانها، بحيث استحالت المنطقة باسرها أسرة واحدة كبيرة".

وأضاف، لم يرق هذا لجمع من المتضررين، فكان أن دبروا محاولة لاغتياله، وهنا افتعل بعض المشبوهين مشكلة، أطلق خلالها أحدهم النار عليه من بندقية كلاشنكوف، فكان أن أمسك علي بعد إصابته بالبندقية ويد القاتل قابضة على زنادها، وحولها من صدره إلى صدر القاتل، وخرج علي يومها بجراح وكسور في الساق وحروق شديدة في اليدين. وقبل أن يمضي شهر على ذلك، عاد علي إلى راس النبع التي كانت نيران القناصة تؤرق بعض شوارعها، وأراد مشاركة إخوانه في بناء متراس يحمي رؤوس الأطفال الأبرياء من الطلقات الغادرة، إلا أن القناص المتربص الذي هاله منظر الشاب الذي يحمل كيس رمل بيد، ويتكئ على عكازته باليد الأخرى، عاجله بطلقة أصابت الساق الملفوفة ذاتها، وليترك الجرح وساماً دائماً تجلى في عرجة خفيفة ظلت تميّز شبح علي حين يطل علينا من بعيد.

الشعر وقود لحمّام ساخن
ومما سرده الطاهر في "تبغ وزيتون" حكايته مع الشعر، التي وصفها بأنها لا تخلو من طرافة، "إذ في بداية السبعينيات استمر الميل الذي في نفسي نحو الأدب، فكتبت قصصاً قصيرة من وحي المقاومة، نشر بعضها في مجلة جبل الزيتون التي كان يصدرها اتحاد طلاب فلسطين.

كما حاولت أن أكتب الشعر حتى أصبح في جعبتي بعض الدفاتر التي كنت أسميها على سبيل المجاز شعراً، لكن ذات يوم أضحت هذه الدفاتر وقوداً لحمّام ماء ساخن، واختفى منذ ذلك الوقت شيطان الشعر من داخلي، وحل مكانه تذوق ما يكتبه المبدعون الأصلاء، والانتشاء به".

بيروت تتمدد في الذاكرة
وحضرت أحداث أيلول الأسود باقتضاب في الكتاب، فيما تحدث طويلاً عن حقبة لبنان بدءاً من العام 1973، على المستويين الميداني والسياسي .. "في إحدى المرات أوقف الحاجز موكباً كان فيه الأخ أبو عمار الذي فوجئ بملثم يقترب من السيارة حاملاً بندقية توازي طوله، ولكن الصوت كان أنثوياً يستفسر بكل جرأة وثقة عن هوية الموكب، فترجل الأخ أبو عمار وقضى وقتاً مع الطالبات. وفي ذلك اليوم حصلنا على أول دفعة من بنادق الكلاشنكوف".

وشدد الطاهر "يسجل لأبو عمار أنه على الرغم من كل هذه المسيرة المتعرجة، لم يتخل عن بندقيته. بل خاض أشد المعارك العسكرية ضد العدو الصهيوني وهو يسعى للحاق بقطار التسوية وتحسين شروطه فيها. بل يسجل له أيضاً أنه اكتشف عقم اتفاق أوسلو مبكراً، وأنه وصل إلى طريق مسدودة عقب مباحثات كامب ديفيد 2000، بحيث أدرك أن بين ما يسعى إليه وما هو معروض عليه هوة كبرى لا يستطيع أن يقفز عنها، فسعى إلى الالتفاف حولها عبر تشجيع الانتفاضة الثانية التي انطلقت من الأقصى عقب زيارة شارون له".

وأفرد الطاهر مساحة كبيرة لحكايات الحرب الأهلية في لبنان، فكان حديثه عن رحلاته السرية إلى سورية، وعن البرجاوي، والكلية العسكرية، وقصة الدامور، وبغال صنين، وسعد جرادات، والاقتتال السوري الفلسطيني، والوصول إلى الجنوب اللبناني، ومعارك مارون الراس، وحرب الأيام الثمانية في آذار 1978، والكثير الكثير من المحطات.

وتوزع الكتاب في حكاياته على ثلاثة عشر فصلاً: "البدايات"، و"إربد 1968"، و"لبنان 1973"، و"الحرب الأهلية 1975"، و"الجنوب 1976"، و"بين حربين 1978 – 1982"، و"الانتقال إلى النبطية – الشقيف"، و"عبور النهر"، و"الاجتياح 1982"، و"العمليات خلف الخطوط 1982-1983"، و"الانشقاق وطرابلس"، و"عودة إلى الأردن"، و"ما بعد اتفاق أوسلو".

وفي الفصل الأخير سرد معين الطاهر حكايات لأصدقاء لهم انتهى بهم المطاف شهداء بعد عودتهم إلى أرض الوطن، على إثر توقيع اتفاق أوسلو، ومنهم مروان زلوم الذي استشهد في قصف لمروحية إسرائيلية استهدفته بأربعة صواريخ هو ورفيقه سمير أبو رجب في 22 نيسان 2002، وجهاد العمارين الذي استشهد بتفجير سيارة في الرابع من تموز 2002، ليختم "ثمة سؤال يتكرر على لسان أولادي وأصدقائي ومعارفي مفاده إن كنت سأكرر التجربة نفسها لو سنحت لي الفرصة من جديد. وإجابتي المتكررة هي الإجابة المؤكدة نعم. فأنا أعتز بكل هذا التاريخ، بسلبياته قبل إيجابياته، فمنها نتعلم ونتقدم، ومنها نطور أفكارنا ونشكل معتقداتنا.

ومعين الطاهر، من مواليد نابلس في العام 1952، درس الاقتصاد والفلسفة والعلوم العسكرية، وساهم في تأسيس الكتيبة الطلابية في حركة فتح، واصبح قائداً لها، كما كان قائداً للقوات الفلسطينية اللبنانية المشتركة في قاطع "بنت جبيل – مارون الراس" العام 1978، وفي قاطع "النبطية – قلعة شقيف" العام 1982. وكان عضواً في المجلس الثوري لحركة فتح، والمجلس الأعلى للثورة الفلسطينية، والمجلس الوطني الفلسطيني. 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: